المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الجمعة ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٧ - 29 محرم 1439
 الإنسانُ بكماله عقلٌ يفكّر ولسانٌ يعبّر، والفكرةُ بكاملها وجودٌ يتجسّدُ على أرضِ المجتمعِ يفعلُ بالآخرين وينفعل بهم.

ان كلَّ إنسانٍ حضاريٍّ هو إنسانٌ محسنٌ وعادلٌ، يحبُّ المعرفةً ويتولّهُ في اكتشافِ الحقيقةِ، يترنّحُ نشوةً وهو يشربُ من كأس السعي الى الخير العام، وينفجرُ بركاناً وهو يتوقُ الى الإبداعِ الذي يتمظهرُ عطاءً عادلاً لمصلحةِ المجتمعِ والإنسانية.

الإنسانُ الحضاريُّ محسنٌ لنفسه ومحسنٌ لبيئته ومحسنٌ لأبناء مجتمعه وللإنسانية قاطبة. يُحسِنُ الإنسانُ لنفسِه إذا حافظ على جسدِه الذي هو نتاجٌ طبيعيٌّ باحترامِ قوانينَ الطبيعةِ في التعاملِ معه، فلا يعتدي عليه بتلويثه بالتبغِ والمخدراتِ والمُسكِرات وكيميائياتِ المأكلِ والمشرَبِ وجراثيمِ الإباحةِ الجنسية. ويُحسنُ الإنسانُ لنفسِه إذا حافظَ على عقلِه فيربّيه على احترامِ قوانينَ المنطقِ واحترامِ الحقائقَ البديهيةِ والبراهينَ العلميةِ والمعلوماتِ الإلهيةِ، وفي هذا يجب ألاّ يغذي عقلَه إلاّ بالمعارفِ اليقينيةِ والفضائلِ البرهانيةِ والحقائقِ العلميةِ التي تُستعملُ لما فيه خيرُ الإنسانيةِ وليس لما فيه شرُّها وهلاكُها، ولما فيه قيمُ الأمرِ بالمعروفِ والنّهيِ عن المنكرِ وليس لما فيه ترويجُ معرفةِ التفنّنِ بالملذاتِ والممنوعاتِ والإغراءِ بالمحرمات.

قال تعالى: "إن الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى وينهي عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي".

وهل هناك إحسانٌ أجملُ من أن يعاملَ الإنسانُ نفسَه بالعدلِ ويعاملَ الآخرين بالعدلِ ويكونُ منارةَ حقّ ٍومحبةٍ وغيرةٍ على الفضائل، إذا نطق نطق صدقاً، وإذا سعى سعى صلاحاً، وإذا نوى نوى خيراً؟!

لقد أوصى الله سبحانه بالإحسانِ والتقوى فقال تعالى: "للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيمٌ". فلا أجملَ من لذّةِ العطاءِ ولا ادْعَى للطمأنينةِ من التقوى،ُ وهل جزاء الإحسانِ إلا الإحسانِ. فرأسُ الإحسانِ هو احسانُ اللهِ سبحانه وتعالى الذي خلقَ الإنسانَ في احسنِ تقويمٍ وسخَّر له جميعَ الموجوداتِ لأنه الغايةُ والغرضُ والقصدُ والمراد. ولقد بلغَ الإحسان الإلهي منتهاه بأن أعطى اللهُ الإنسانَ عقلاً يفكِّرُ ويتأمّلُ ويحللُ ويقارنُ ويستنتج، عقلاً نُقِشت على مرآةِ جوهرِه كلُّ حقائقِ الحياة ِالبديهيةِ، ولكنَّ الإنسانَ بسوءِ أعمالِه واعتقاداتِه طمسَ معالمَ تلكَ المرآةِ فانطمستِ الحقائقُ وكأنَّها غيرُ موجودة. وما على الإنسانِ إلاَّ أن يعودَ فتظهرُ الحقائقُ في جوهرِها كما يظهرُ البدُر في قاع بركةٍ ماؤها فراتٌ سلسبيل.

ومن الاحسانِ ايضاً أن تكونَ عادلاً مع نفسِكَ وعادلاً مع الآخرين، لأن الظلمَ والاستبدادَ ومصادرةِ عقولِ الناسِ وحرياتِهم ومنعِهم من تطويرِ أنفسهم يُعتبُر من الرذائل الكبيرة. وفي عصرنا الحاضر، أن نقدّمَ للناس فرصَ عملٍ كريمةٍ وفرصَ تعليمٍ كريمةٍ لتساعدَهم على النهوضِ من هاويةِ الجهلِ والفقر والإرتهانِ والإحباطِ لهو نوع من انواع الاحسان.

قال الإمام عليّ (ع): "عاتب أخاكَ بالإحسانِ إليه، وأردُدْ شرَّه بالإنعامِ عليه"، وقال الرسول الكريم (ص): "سبعةٌ للعبدِ بعد موتِه، من علّمَ علماً، أو أجرى نهراً، أو حفرَ بئراً، أو بنى مسجِداً، أو أورثَ مِصحفاً، أو ترك ولداً صالحاً، أو ترك صدقةً تجري له بعد موته".

وفاعل الإحسان يُؤمنُ بغائيةِ الوجودِ لا بعبَثيتِه، وبأنَّ الإنسانَ خُلقَ من أجلِ غايةٍ وهي معرفةُ اللهِ ومحبتِه فينعكسُ ذلك على محبّته للناسِ ومعاملتِهم بالحسنى. قال النبيّ (ص): "الإحسانُ أن تعبدَ اللهَ كأنكَ تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". والإنسانُ المؤمنُ النقيُّ السريرةِ ينظرُ الى اللهِ بعينِ بصيرتِه فيراهُ أقرب إليهِ من حبلِ الوتين، ويحسُّه متربّعاً على عرشِ قلبِه، فإذا نظرَ ينظرُ بعينِه، وإذا نطقَ ينطقُ بلسانِه، ولهذا قيل: "إتقوا فراسة المؤمن فانه يرى بنور الله".

قال المتنبي:
أحسن وجه في الورى وجه محسن وأيمن كفّ فيهم كفّ منعم


وقال أبو فتح البستيّ:
إن كنت تطلب رتبة الأشراف فعليك بالإحسان والإنصـاف


وقدرةُ الإنسانِ على الإحسانِ المعنويِّ دائمةٌ باقيةٌ رغمَ تقلباتِ الزمانِ لأنها تواضعٌ وتسامحٌ ومحبةٌ ورضى. أما قدرتُه على الإحسانِ الماديِّ فهي متقلبةٌ مع تقلباتِ الزمانِ، ولهذا نصحَ الحكماءُ بالإحسانِ في زمنِ القُدرةِ لأنه قد ياتي زمنٌ لا يستطيع المرءُ إحساناً وإن أراد ذلك.
أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ فلن يدوم على الإحسان إمكان


قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وأمّا بنعمة ربّك فحدّث".

أي لا تخبئ النعمةَ وتحجبها عن المحتاجِ إليها، والنعمةُ قد تكونُ عقلاً وحكمةً، وقد تكونُ مالاً ورزقاً وقد تكونُ نجدةً ومروءةً. فمن أنعمَ اللهُ عليه بالعقلِ يجبُ أن يضعَ عقلَه في خدمةِ الخيرِ العام، ومن أنعمَ اللهُ عليه بالمالِ يجبُ أن يضعَ مالَه في خدمةِ الخيرِ العام، ومن أنعمَ اللهُ عليه بالشجاعةِ والمروءةِ يجبُ أن يضعَ شجاعتَه في حماية اعراض الناسِ وكراماتهِم وليس العكس. أخيراً نقول: "إن للإحسانِ آداباً كما لكلّ شيءٍ آدابه، فأدبُ الإحسانِ أن لا تذكر احسانَ من أحسنتَ إليه وأن لا تنسى إحسانَ من أحسنَ إليك".

نعود ونؤكد على أنّ من لم يحسِن الى نفسِه لا يستطيعُ أن يحسِنَ الى الآخرين". وإحسان المرءِ لنفسِه هو في احترامِ قوانينَ العقلِ وقوانينَ الطبيعةِ والتواصلِ مع الحقيقةِ والعدالةِ والاعتبارِ من صروفِ الدهرِ تيمّناً بقوله تعالى: "اعتبروا يا أولي الألباب".

كمال سري الدين.

حرر في: 15 شوال 1432هـ. الموافق 13/9/2011م.
معارف توحيدية