المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الجمعة ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٧ - 29 محرم 1439
 لماذا أُشكل على الإنسان المعاصر معرفة ذاته؟ وكيف له الخروج من سراديب غفلته إن لم يترفع عن ادران شهواته المادية، ليستضيء بما يجعله يأنس بربه وإيمانه الصحيح بعدما تاه طويلاً وراء نزوات ترابيته. حتى بات ضائعاً بين تراب الصلصال وماء الغفلة والأنانية، ففقد اعتزازه بنفسه وانتماءه الى مجتمعه وتطبيقه لإنسانيته وشوقه الى باريه.

هل فقد الإنسان همته التي تجعل منه سهماً من نار ونور منطلقاً دائماً إلى أعلى عليين؟ أم أنه استطاب الراحة والإباحة فانتكس وغرق في رمال عجزه وارتكس وضاع في سراب أوهامه؟

قال لقمان الحكيم: الهمة تلقح الحظ فينجب توأمين، الغنى والمجد.

وقال أعرابي: الهمة جناح الحظ، يعرج بها من منزلة الى منزلة.

وقال عمرو بن العاص: عليك بجسام الأمور فكل إنسان له مكانه،البعض كالديدان مكانه التراب، والبعض كالصقور مرامُهُ الأجواء الفسيحة.

ويمكن القول أن الناس نوعان نوع يملك أخلاق الأحرار، ونوع يملك أخلاق العبيد. أما الأحرار فهم أولئك القوم الذين قال فيهم المتنبي:
وإنِّيَ مِنْ قوم كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم والعِضْاما

فهم دائماً في سباق مع المروءة والشهامة ومواقف الشرف والإباء، نذروا أنفسهم للفضائل العفية فتجوهروا بنور العقل ومروءة النفس بعد أن ابتعدوا عما يشدهم الى صلصال ترابيتهم المرأة والمال.

وأما العبيد فهم الناس الذين الغاية برأيهم تبرّر الوسيلة، غايتهم الراحة والإباحة والاستقواء بالمال والنفوذ.

قال عمر بن الخطاب: لا تصغّرن همتك فإني لم ار اقعد بالرجل من سقوط همته. وقال معاوية بن أبي سفيان: ثلاثة أمور لا تدرك إلا برفع الهمة، سياسة الدولة وتجارة البحر ومناجزة العدو، والعدو الأكبر هو شهوات النفس وجشعها وطمعها.

وقال أمير تنوخي: المرء حيث يضع نفسه، إن رفعها ارتفعت وإن قصّر بها اتضعت.
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل

سئل لقمان من هو أتعس الناس؟ فقال: رجل إتسعت معرفته وبعدت همته وضاقت يده.

سأل الأصمعي إعرابياً من طيء عن صفات حاتم فقال: كان يرمي بهمته حيث يشير إليه الكرم، يتحسس مرارة الإخوان ويسقيهم عذبه، له همة تناطح النجوم وكرم يشامخ الغيوم.

وإذا ما علمنا أن المتنبي بهذه القصيدة كان يمدح أحد أمراء آل تنوخ، وإذا ما علمنا أن الموحدين الدروز في جبل لبنان ووادي التيم بأغلبيتهم يتحدرون من قبائل تنوخية، علمنا أن الجذور زكية مباركة بالشجاعة والمرؤءة والعفة والاعتزاز وما علينا إلا أن نقول بلساننا وقلبنا وجميع أركاننا "من الجذور الذكية ينبت الشجر".

وهكذا فرجاء المقامات العالية يتطلب علماً وعملاً، وإرادة لا تعرف الكلل او الملل ولا ترضى بالانتكاس أو الارتكاس.

ففي هذا لا بدّ دون الشهد من إبر النحل، فالرجل الشريف لا يأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يعطيها وإلا اعتبر طفيلياَ.

أما أبو فراس فقال في نفس المعنى وهو أن المقام الشريف ثمنه تحمل الأهوال والوقوف فوق أنف المخاطر.
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر.

قال الفرزدق في هجاء قوم جرير:
إني رايت من المكارم حسبكم أن تلبسوا خزّ الثياب وتشبعوا
فإذا تذوكرت المكــارم مرة في مجلس أنتـم بـه فتقنعوا

وقد عدّ العرب في العصر الأموي التأنف في الثياب ميزة العبيد والغلمان يأنف منها أصحاب الحمية والمروءة.
إذا الفتى لم يبغ إلا ثيـابه ومطعمه فالخير منه بعيــد

وعلو المهمة والمروءة مرتبطان بسلمَّ القيم وفلسفة العقد الاجتماعي. فأفراد المجتمع الذين يعتبرون السعادة في جمع الثروات وتكديس الرساميل والشرب من بحر الملذات والرغبات هو مجتمع فاسد، وبالتالي لا تعود الحياة بالنسبة إلى أفراده وقفة صدق مع الذات ومع الآخرين.

أما مجتمع الحقّ والخير والعدل والتواصل مع الله، فهو المجتمع الذي يفهم أن السعادة هي الإنسجام والتناغم مع منطق العقل وقوانين الطبيعة.

قال أبو دلف العجلي:
ليس المروءة أن تبيت منعما وتظل معتكفاً على الأقداح

ما للرجال وللتنعم إنــما خلقوا ليـوم كريهة وكفاح


وقال الأحنف: إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقاً، وإن ضجرت لم تصبر على حق. ولكن الناس حسب جواهر نفوسهم، فصاحب النفس النارية تنجذب نفسه بطبيعتها الى البطولات والمكرمات ومراتب الشرف، وصاحب النفس النوارنية تنجذب نفسه بطبيعتها إلى المعرفة والكليات المجردة والتأمل في الموجودات لأخذ العبر التي توصلها الى الموجد ربّ العالمين.

ساهم في إعداد النص، كمال سري الدين.

حرر في: 17 جمادى الاولى 1432هـ. الموافق 20/5/2011 م.
معارف توحيدية