المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الأحد ٢٩ آذار ٢٠٢٦ - 11 شوال 1447
سماحة شيخ العقل دعا للتضامن وصون رسالة لبنان: نناشد الدول الصديقة ‏والمؤثرة للتدخل الفوري لإيقاف الحرب

2026-03-29

دعا سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى ‏للحفاظ على رسالة لبنان التنوّع والكيان والصيغة والدستور، والى مواجهة تحدّيات ‏الحرب العدوانية بالقدر الكافي من التضامن الداخلي والوطني والانساني، لتعزيز ‏الوحدة الوطنية وتفويت الفرص على من يريد إيقاع الفتن والتفرقة والانقسام بين أبناء ‏الوطن الواحد‎.‎
 
ورأى في حوار إذاعي جرى ضمن برنامج "صالون السبت" مع اذاعة "الشرق" ‏للزميلة وردة الزامل: "ان شجرة الزيتون التي غرسناها مع قداسة البابا لاوند الرابع ‏عشر في زيارته الى لبنان؛ الزيتونة اللا شرقية واللا غربية، كانت فعل ايمان بهذا ‏الوطن، الذي نطمح دائماً الى السلام والاستقرار في ربوعه، بعيداً عن المناخ ‏الطائفي او الفئوي، وبما يتلاقى مع واقعه التعددي وموقعه المميز".‏
 
أضاف: "علينا أن نتمسّك بالصيغة اللبنانية، القائلة بأنه لا شرعية لأيّ سلطة تناقضُ ‏العيش المشترك، وبلبنان الرسالة القائم على التنوُّع الذي يعني احترام المواطنة ‏الحاضنة، والمواطَنة الحاضنة تعني احترام الدولة، والدولة هي من تمتلك السيادة، ‏وتملك قرار الحرب والسلم".‏
 
وردَّاً على سؤال قال: "اسرائيل كيان مستفز وعدائي، والعدوان يقتضي المقاومة، ‏والمقاومة أثبتت استماتتها في المواجهة والتضحية، ولكن لو كان هناك قرار عربي ‏إسلامي لمواجهة إسرائيل، لكان من واجب لبنان إذ ذاك الالتزام بهذا القرار، ولكانت ‏المقاومة تجمع اللبنانيين ولا تفرِّقُهم. صحيح أن إسرائيل لا تفهم إلا بلغة القوّة، لكنّنا ‏نحتاج إلى مقاومة من نوع آخر، المقاومة الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية ‏والسياسية، التي ربما تكون أكثر فعالية، لحشد الضغط الدولي ومحاصرة أطماع ‏اسرائيل وجبروتها". ‏
 
وأضاف: "أمرٌ محزن أن يتحوَّل مهد الديانات من أرض سلام إلى أرض خصام ‏وحرب مصالح وأيدولوجيات حوّلت لبنان السلام إلى ساحة صراع وصدام، ‏ووضعته امام معضلة كبيرة بانصياع بعض اللبنانيين الى ولاءات خارجية، فاصبحت ‏قلوبهم مرتبطة بالخارج، ولكننا نقول اليوم وصلنا الى هنا، فهل يبقى أمامنا سوى ‏الحوار حول القضايا التي تشكل عامل انقسام في الرأي بين اللبنانيين؟ اذ لا مفرّ من ‏التعاطي بحكمة والتحرّك السريع وبذل الجهود الممكنة من قبل الجميع لوقف ‏الحرب، والحكمة تقتضي معالجة الإشكاليات قبل الوقوع في المحظور، لكننا وقعنا ‏في المحظور، فعسى ألا نقع في محظور أكثر خطورة، لذا لا بد من أن يتلاقى ‏الجميع لتبديد الهواجس المشتركة ومواجهة التهديدات الحاصلة، بتوفير الحد الادنى ‏من الاستقرار الداخلي وصون الوحدة الوطنية ودعم المؤسسات وعلى رأسها ‏الجيش، لضمان السلم الاهلي في ظل الوضع المتفجّر. الحوار على قاعدة "لبنان ‏اولاً"، إذ ليس امامنا سوى الحوار كسبيل وحيد لحل المشكلة التي تهدّد الوطن ‏ومستقبله".‏
 
وقال ردّاً على سؤال حول تدمير الجسور وقطع الأوصال في الجنوب، والفرز ‏الطائفي المناطقي: "ما يجري في الجنوب يطال كل اللبنانيين وكل الطوائف وشرائح ‏المجتمع، وليس من مظلة تقي اي طائفة من الشراسة العسكرية التي تمارسها ‏اسرائيل، وينبغي بموازاة تدمير جسور التواصل بين المناطق، العمل على بناء ‏جسور التلاقي، بتعزيز الروح الانسانية والاخوّة والتكافل الاجتماعي، وتمتّين الساحة ‏الوطنية في مواجهة عدو شرس يمارس التدمير البشري والسكاني ويسعى إلى تحقيق ‏اطماعه بإحداث التغيير الجغرافي والديموغرافي، في غياب العدالة الدولية وعدم ‏توحيد الموقف العربي والإسلامي من الصراع، وتجاهل القرارات الأممية، والدعم ‏الأميركي والدولي لإسرائيل".‏
 
وحول تطييف القرى وتمييزها بين مسيحية ودرزية وغيرها، أجاب: "كما أرسلنا ‏وفداً من المشايخ للتعزية بالأب بيار الراعي كاهن رعية القليعة، فاننا نثّمن خطوات ‏السفير البابوي الصديق باولو بورجيا والصديق الاب سمير الغاوي رئيس ‏‏"كاريتاس" في الوقوف الى جانب أهالي الجنوب من الاخوة المسيحيين، وهذا امر ‏طبيعي ان يبدأ الانسان بعائلته، على امل تعميم تلك المبادرات وتوحيدها تجاه كل ‏اللبنانيين والمحتاجين، للوقوف الى جانبهم بمثل هذه الظروف القاسية، بعيداً من شتّى ‏التصنيفات للقرى والمناطق مذهبياً او طائفياً، وهنا دور الدولة ايضا ومؤسساتها ‏الجامعة".‏
 
واضاف: "نتائج الحرب مأساوية والانهيارات تتوالى دون توقف، انهيار مالي ‏واقتصادي، وصدمات متتالية تتعلق بالمودعين والموظفين، ثم حرب ودمار، فتهجير ‏ونزوح، فأعباء إغاثة وإعادة إعمار، والانهيار الأكبر يكمن في تأثُّر اللبنانيين ‏الموجودين في الخليج، الذي يعتبر المتنفس الاكبر للبنان والشريان الحيوي ‏الاقتصادي لعدد كبير من اللبنانيين، ولعلّ تأثّره بالحرب هو أكثر خطورةً من ‏القصف والاجتياح، لذلك نحن نتضامن مع دول الخليج العربي تضامناً مع أبنائنا". ‏
 
وردّاً على سؤال عن عيد البشارة الوطني ومروره هذا العام وسط اجواء الحرب، ‏قال: "كل الاعياد مناسبات وطنية واجتماعية جامعة، من عيد البشارة الى الفصح ‏المجيد وعيدي الفطر والاضحى المباركين، جميعها مدعاة للتضامن الاخوي ‏والانساني، ولتجديد الامل بالوطن وعدم اليأس والاحباط". ‏
 
وقال: "اننا جميعا نتحمل المسؤولية كمرجعيات وطنية وروحية الى جانب الدولة ‏والقيادات السياسية في البحث المشترك عما يجمعنا فوق المذاهب والطوائف ‏والمناطق، اذ ليس ثمة مشكلة اسلامية – مسيحية اطلاقاً، مشكلتنا في عدم الاجماع ‏على القرارات المصيرية كمثل قرار الدخول في حرب الاسناد دون موافقة الدولة، ‏والحل الان لم يعد بيدنا بل بيد الدول المؤثرة بالحرب، للعمل على وقفها. دورنا ‏الحثّ على الوحدة الوطنية والتماسك وتحصين الدستور الذي نحتفل بمئويته هذا ‏العام، للحفاظ عليه وصونه، والحرص على استكمال تطبيق اتفاق الطائف بكامل ‏مندرجاته‎"‎‏. ‏
 
وردا على سؤال حول احتكاكات تحصل بين الاهالي والنازحين في بعض المناطق، ‏اعتبر سماحة شيخ العقل ان "المطلوب هو تقديم العامل الانساني على ما عداه، وأن ‏يكون الرد على الخشية من التغيير الديموغرافي الذي تهدد به اسرائيل في مناطق ‏جنوبية، وتنظيم الامور بدقة ومسؤولية، وهو ما اكدنا عليه في اجتماع دار الطائفة، ‏بالقول: اننا اسياد قرانا وبيوتنا، والسيادة يعني حسن الضيافة وحسن التنظيم، بما ‏يتجاوز بعض التفاصيل، والتطلّع الى واقعنا الحاضر وكيفية اجتياز هذه الفترة بأقل ‏الخسائر، النازح متشبّث بأرضه ومنزله وسيعود اليهما عندما تتوقف الحرب، انما ‏التقاليد والاعراف لدينا تقتضي تقديم العامل التكافلي والانساني على ما عداه‎ ".‎
وتابع: "اننا نعيش أزمة وجودية، والشدّة التي نعيشها تدفعنا للعودة لبعضنا والتمسك ‏ببعضنا اكثر، ليس لنا من تأثير على مجريات الحرب، وما علينا إلا أن نتضامن معًا ‏ونناشد الدول الصديقة التدخل لايقاف الحرب وردع اسرائيل، ولإعادة النازحين الى ‏قراهم وإعمار منازلهم. وعلينا دحض الشائعات المغرضة التي تشوّش على وسائل ‏التواصل وتثير الهواجس والنعرات. الشأن الوطني يجب ان يبنى على مبدأ الشورى ‏وليس بمنطق التحدي، وبالالتفاف حول الدولة، لتمكينها من الامساك بقرار الحرب ‏والسلم. ثقافة الولاء للوطن هي مسؤولية جميع المؤسسات الرسمية والتربوية والدينية ‏والروحية والقيادات السياسية‎".‎
 
وحول سؤال عن النية لعقد قمة روحية بهذه الظروف، قال: "القيادات الروحية تَتحمّل ‏مسؤولية أخلاقية ووطنية إلى جانب الدولة والقيادات السياسية، ولكنها لا تملك القرار ‏ولا تحلّ محلَّ الدولة، أما القمة الروحية فيجب أن تكون في انعقادٍ دائم، وهذا ما ‏ندعو إليه باستمرار، ونحاول اليومَ ونسعى للقيام بواجبِنا في مواجهة هذه الأزمة ‏الوجودية التي يتعرض لها لبنان، ومن واجبنا التأكيد باستمرار على الثوابت الوطنية ‏دون الدخول في التفاصيل والاختلافات. الاتصالات مستمرة مع المرجعيات ‏الروحية، حيث نحاول توجيه الأمور بما يعكس صورة جامعة مشجّعة للبنانيين ‏ويفضي إلى التضامن وتمتين الوحدة الوطنية، والعودة الى الدستور والدولة، ورفض ‏العدوان والتأكيد على سيادة لبنان. فالمرحلة صعبة، وعلينا التكاتف والتعاون وشدّ ‏أزر بعضنا، ومنع الانقسامات. ويمكن ترحيل الاسباب الخلافية آنياً، باعتبار الأولوية ‏هي للاستقرار وشبك الايدي والحوار المعمّق حول الخطر الوجودي الذي يهدّد ‏البلاد، والتمسك برسالة لبنان".‏‎ ‎
 
اضاف ردّاً على سؤال: "رسالة قداسة البابا كانت رسالة سلام، ودعوة لتجنيب لبنان ‏سياسات المحاور، والتعاون للحفاظ على الوطن الرسالة، باحترام التنوع واستكمال ‏مسيرة الاصلاح، انطلاقا من ميزة لبنان كمنبر حضاري ونموذج أرقى للتنوع في ‏الوحدة، وهو ما يقتضي الحوار الدائم ورفض المشاريع والافكار التقسيمية، ‏والتكاتف لحماية لبنان وصيغته الجوهرية‎".‎
 
وحول سؤال عن تشبيه أمين عام الأمم المتحدة مصير لبنان بغزة؟ قال: "انه خوف ‏مبرّر ومشروع، قياساً على ما شهدناه ببعض القرى الجنوبية من أعمال الهدم ‏والتدمير والشراسة الاسرائيلية. علينا الاستفادة من اللحظة المناسبة وتدارك الامور ‏وعدم اعطاء اسرائيل المبررات اكثر، فالوحدة أمضى سلاح وأقوى من الصواريخ ‏والمسيّرات، من أجل العودة لتحصين الداخل اللبناني. لقد آن الأوان لذلك، صحيح أن ‏هناك مقاومة عنيدة واستماتة في المواجهة، لكن سبق وقلناها مرارا ونكررها، يمكننا ‏المقاومة من خلال العمل الثقافي وإنعاش الذاكرة، وبالتطوير العلمي والتكنولوجيا، ‏وبالدبلوماسية والسياسة، فقد يكون هذا السلاح أقوى وافعل، كفانا ضحايا ودماء، ‏ولنعمل على المواجهة بالمنطق والعقل وحشد الدعم الدولي للوصول إلى تسويات ‏ممكنة تحفظ الكرامة الوطنية وحق الجميع".‏‎ ‎
 
وقال تعليقاً على مقدمة السيدة وردة: "نستذكر هنا الفنان الراحل بالامس احمد قعبور ‏ونشيده "اناديكم... اشد على اياديكم"، كما أشرتِ في البداية... لقد كانت مقاومته من ‏نوع آخر، مقاومة بالأناشيد والكلمات والفن والثقافة، كان يحيي مضمون رسالتنا ‏وتعلّقنا بالأرض والدفاع عنها بالثقافة والعمل الفني المؤثّر".‏
 
وأجاب ردّاً على سؤال حول الشائعات بالنسبة لوجود عسكريين بين النازحين، "نقوم ‏بواجباتنا وندعو دوماً لتنظيم خلايا الأزمة في القرى بالتعاون مع البلديات والقوى ‏الأمنية، لتسجيل أسماء الضيوف النازحين والعناوين وتنظيم العمل بمسؤولية خشية ‏تسلّل مسلحين غير منضبطين، وتدارك الامور بالتفاهم واليقظة والتعاون. واجب ‏المقاوم ان يعي ان عدم السماح بدخوله وسط العائلات هو من أجل السلامة للجميع، ‏فاسرائيل لا ترحم احداً. ‏
 
أمّا بالنسبة الى ما يشاع عن نقل حزب الله مراكزه الى الجبل وبيروت، فنفى سماحة ‏شيخ العقل علمه بذلك، كما نفى نفياً قاطعاً ما تضمنته بيانات بعض "السخفاء ‏المغرضين القائلين بان وليد جنبلاط وشيخ العقل طلبا بيوتاً جاهزة لوضعها على ‏أراضي الاوقاف والمشاعات في الجبل‎".‎
 
أمّا بخصوص واقع الدروز في السويداء، فقال: "ابناء الطائفة في سوريا لهم تاريخهم ‏الكبير، ومنذ أيام كانت ذكرى وفاة القائد العام سلطان باشا الاطرش الذي قاد الثورة ‏السورية من اجل استقلال سورية ووحدتها، والذي أكّد على هوية الموحدين الدروز ‏الوطنية والعربية، وتمسكهم بجذورهم، لكن اسرائيل تفعل فعلها ولديها مشروعها، ‏وتحاول اليوم بقوة، وعطفاً على محاولات سابقة، حرف الدروز عن هويتهم ‏وتاريخهم، وهذا امر خطير، خاصة عندما يتماهى البعض مع تلك المشاريع ‏والمخططات. بالأمس صدر تقرير حول الأحداث في السويداء، وهو تقرير واقعي، ‏يحاول ان يضع الحق في نصابه، لكن العبرة في المعالجة والمحاسبة، وهذا هو ‏المطلوب لتطمين الناس‎".‎
 
وختم سماحة شيخ العقل بنداء الى اللبنانيين، داعياً إلى "الوحدة الوطنية والتضامن ‏الداخلي والتمسك بصيغة لبنان، وتعزيز الايمان بالله وبرسالة الوطن، لتجاوز المحنة ‏الكبيرة التي تمرّ على الوطن والمنطقة". ‏
 
بيصور
كان سماحة شيخ العقل زار الوزير السابق غازي العريضي في منزله في بيصور، ‏بحضور نجله عمر العريضي، يرافقه رئيس اللجنة الدينية في المجلس المذهبي ‏الشيخ عصمت الجردي، وكانت جولة افق حول الاوضاع العامة والداخلية، مثمّنا ‏‏"التاريخ النضالي للاستاذ غازي، والعلاقة الطيبة معه، منذ ان تولى ادارة اذاعة ‏صوت الجبل في شانيه".‏