المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الخميس ٢٠ حزيران ٢٠٢٤ - 14 ذو الحجة 1445
سماحة شيخ العقل في ذكرى الشيخ ولي الدين: رجلِ الأمانةِ والقائدِ اليعسوبِ والمترفّع عن الألقاب

2023-04-28

ذكّر سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى بمواقف الشيخ الجليل ‏الراحل أبي محمد جواد ولي الدين، وتشديده على "وحدة الصفّ وجمع الشمل والعيش المشترك في الجبل ‏ووصولاً إلى الأوطان والناس جميعاً"، مجدّدا "الاستمرار على نهجِه وحَملِ رسالتِه، والمحافظة على ‏الثوابت التوحيدية والمعروفية والوطنية والإنسانية، وحسن التعامل مع المتغيِّرات".‏
‏ ‏
‏ لمناسبة الذكرى الحادية عشرة لوفاة المرحوم الشيخ ولي الدين، إستضافت مؤسسة العرفان التوحيدية في ‏السمقانية الشوف سماحة الشيخ ابي المنى، في لقاء توحيدي ثقافي إحياء للذكرى، بمشاركة عدد كبير من ‏الفاعليات الروحية والتربوية والثقافية والاجتماعية وأسرة المؤسسة من مختلف الفروع، وذلك في قاعتها ‏العامة في مبنى ثانوية العرفان.‏
‏ ‏
رافع
‏ إستُهل اللقاء بكلمة من مسؤول العلاقات العامة في المؤسسة رامي بو عز الدين، تلاه رئيس المؤسسة ‏الشيخ نزيه رافع، قائلا: "نلتقي واياكم اليوم في هذه المناسبة المباركة، في ذكرى الورع والطهارة، ذكرى ‏من كان للخير والحق منارة، ذكرى اليوم الذي انطفأ فيه السراج في خلوة رأس الذيب فشعَّ نور شيخنا ‏الجليل أبو محمد جواد ولي الدين بدرًا للتقى والإيمان والدين.‏
نلتقي في رحاب المؤسسة التي بدأت مع شيخنا الجليل فكرةً نيّرة ومبادرةً خيِّرة، ورغم ضعف الإمكانات ‏يوم ذاك استطاع بإرادته الصلبة ونواياه الطاهرة أن ينطلق في تنفيذ وتجسيد فكرته ورؤيته، بمشاركة ‏المشايخ الأفاضل ودعم القائد الشهيد كمال جنبلاط، وكنّا خلفه ومعه نمضي ببركته ودعائه إلى أن أصبحت ‏المؤسسة اليوم صرحًا نفخر به ويعتزّ به كل موحد شريف. ‏
هذا الصرح الذي حضن أبناء الطائفة من الجبل إلى البقاع فالجنوب، فاحتضنه مجتمع الموحدين بكثير من ‏الحب والإخلاص والوفاء، ‏
الصرح الذي شكَل غرسة طيبة في هذه الأرض الأبية، ينشر مبادىء الدين والأخلاق والقيم في نفوس أبناء ‏مجتمعنا التوحيدي، ويزرع في نفوس الأجيال بذور الحقيقة والعرفان لتزهر خيرًا ومحبةً وعبقًا من ‏الإيمان. ‏
الصرح الذي بدأ مدرسة بمئتي تلميذ وتحوَل اليوم إلى سلسلة مدارس تضم في رحابها حوالي 5000 طالب ‏وطالبة، ومئات الموظفين الذين يشكّلون عائلة واحدة تعمل باخلاص وتفانٍ.‏
وهنا لا بد من توجيه الشكر والتقدير لأفراد الهيئات العامة والإدارية والوظيفية الذين جسّدوا أسمى معاني ‏الوحدة والتعاون والألفة والمحبة، فكانوا أجسادًا متفرقة في روح واحدة، يعملون بوفاء لتحقيق أهداف ‏العرفان السامية في نهجهم وعملهم اليومي، ولن ننسى هنا ما قام به المرحوم الشيخ علي زين الدين في ‏رئاسة المؤسسة على مدى عقود باخلاص وتفانٍ خدمة للمجتمع التوحيدي كله، حتى وصلت العرفان إلى ‏هذه المرحلة المشرفة. ولن ننسى أيضًا جمعية أصدقاء العرفان التي يرأسها الأستاذ وليد بك جنبلاط والتي ‏واكبت وتواكب المؤسسة في كل المراحل وتقدم الدعم اللازم بهدف الاستمرار والتطور.‏
‏ ‏
أيها الأفاضل، ‏
في هذه المسيرة الممتدة لأكثر من خمسين عامًا، كنا نستذكر شيخنا الجليل في كل لحظة وكل مناسبة طيبة، ‏عرفانًا وامتنانًا منّا ومن كل شريف بما قام به وقدّمه، بتواضعه وطهره ومحبته وتقواه في سبيل هذه ‏الطائفة. ونحمد الله دومًا أننا تسلمنا هذه الأمانة المثقلة بالصعوبات وحملنا لواءها في كل الظروف ‏والمواجهات، فحافظنا عليها؛ بعونه تعالى ودعاء ورضا المشايخ الأعيان والسر الكامن في التوحيد ‏والعرفان.‏
ولا بد من الإشارة إلى أن العرفان أحيت سابقًا في هذه السنة بالذات الذكرى التاسعة عشرة لوفاة المرحوم ‏سيدنا الشيخ ابو حسن عارف حلاوي، ونحن نستذكر دومًا شيخنا الشيخ أبو محمد صالح العنداري وشيخنا ‏الشيخ أبو ريدان يوسف شهيب، هؤلاء المشايخ الأجلاء الذين جسّدوا خلال مسيرتهم الطاهرة النموذج ‏الديني الحقيقي في وحدة الصف والتكاتف وجمع الأفرقاء على الخير والمحبة بسر التوحيد وقوة الإيمان، ‏تحقيقًا لعهد ولي الزمان في حفظ الإخوان ونبذ التفرقة والهجران.‏
ختامًا، نسأله تعالى في ذكرى شيخنا الجليل أبو محمد جواد ولي الدين، أن يوفقنا واياكم في كل ما فيه خير ‏إخواننا وطائفتنا، وأن يقينا الشرور ببركة مشايخنا الأبرار ويقدّرنا على عمل الخير والإستمرار. ‏
‏ ‏
سماحة الشيخ الدكتور سامي ابي المنى عرفناك وعرفتك العرفان منذ العام 1976 شاباً واعداً سالكاً سبيلَ ‏الدين والعلم، عرفناك يومَ قصدنا منزلَ المرحوم والدك الشيخ أبو كمال نايف فوجدنا الروحانية والمحبة ‏واستأنسنا بجوِّ الإلفة والاندفاع لديك ولمسنا روح العرفان في العائلة.‏
خمسٌ واربعون سنة من التعاون والعمل والبناء، كان لكلِّ مدماكٍ فيه يدٌ طيِّبة للشيخ سامي معلِّماً ومديراً ‏وأميناً عامَّاً، بسدقه وتضحيته وحدسه ومحبته، بسعة فكره وطِيب معدنه وقربِه من الجميع، بشعرِه وكلمتِه ‏المعبِّرة، بثقة مشايخِنا الأجلَّاء به وبنظرة شيخِنا الجليل الثاقبة وارتياحه له، بعلمه وانفتاحه وبقدرته على ‏التمثيل الراقي للمؤسسة في المحافل التربوية والثقافية والاجتماعية والحوارية، بكلِّ ذلك استطاع الشيخ ‏سامي أن يرتقيَ مع ارتقاء العرفان، واستطاعت العرفان أن ترتقيَ بارتقائه، وها هي اليومَ بفضل أمثاله من ‏المخلصين تصلُ إلى ما وصلت إليه من تقدُّم واتِّساع، وها هو اليومَ بما زرعَ من ثقة وبما أعطى وضحّى ‏يصلُ إلى أعلى المقامات في الطائفة والوطن؛ مقام مشيخة العقل، مستحقّاً ويستحقُّه المقامُ وتستحقُّه الطائفة ‏والبلاد".‏
 
شيخ العقل
وختاما تحدث سماحة شيخ العقل، قائلا:‏
بسم الله الرحمن الرحيم ‏
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين وعلى أنبياء الله وأصفيائه الطاهرينَ الطيّبين،
المشايخ الأفاضل، معشرَ الإخوان، أيها الأوفياء الأعزاء...‏
‏ ‏
اسمحوا لي أن أبدأَ، وكما بدأتُ مُتأثّراً في بعقلين في يوم الوداعِ الحزين في مثل هذا اليوم بالذات، مُستذكراً ‏شيخي الجواد، مُسلِّماً عليه بلهفة، ذاكراً محطاتٍ وعبرَاً مُعبِّرة من سيرته العطرةِ الطاهرةِ، قائلاً:‏
شيخي السـلامُ عليك يا شيخَ التُّقى ‏ يا من بكَ القلبُ الرقيـقُ تعلَّقـا
منذ الشبابِ لمعتَ صوتاً هادراً ‏ ومع المشيـب بك الرجاءُ تحقّقا
مِن نورِ خلوتِك البسيطــةِ يُرتجى ‏ نورُ الخلاصِ ويُستطـابُ المُلتقى
من سحر لفظِكَ والمواعظِ يُجتَنى ‏ طِيـبُ الإنـابةِ، من عيونِكَ يُنتقى
ومن المواقفِ في الصِّعابِ إرادةٌ ‏ منك ﭐستُمِدَّت، فاستحالتْ فَيلقَــا.‏
‏ ‏
إخواني الكرام في العرفان،
من موقعي في مشيخة العقل أُحيِّيكم، رئيساً ومدراءَ ومعلمين وإداريين وعاملين، وأنا واحدٌ منكم، نُحيي معاً ‏في قلوبنا ذكرى سيّدِنا وشيخنا القدوة...‏
أُحيِّيكم، وأنتم ترسمون إرثه الغنيَّ في نفوس أبنائكم الطلاب وإخوانكم في مدارس العرفان: عفةً وتقوى، ‏وجرأةً وشجاعةً، ومهابةً وعزّةً...‏
أُحيِّيكم، ونحن نستذكرُ شيخنا الطاهرَ الجليل، فتُطالعنا صورةُ ذلك الأسدِ الهُمام، ناهضاً بالدين، حاملاً لواءَ ‏العزَّة والكرامة، صارخاً بوجه المُعتدينَ على أرضِ الجبل وتاريخه، صرخةً اهتزّت لها البلادُ ودُوِّنت في ‏ذاكرةِ المجد وصفحات الرجولة، يوم وقف ذلك الشيخُ المُعمَّمُ بصفاءِ التوحيد وتراثِ الأجداد وحكمة الشيوخِ ‏الثِّقات مُشدِّداً عزائمَ الموحدين كي لا يخافوا إلا الله، ملتزماً بالفرض، متمسكاً بالأرض، مدافعاً عن العرض، ‏قائلاً لمن حاول الاستهانةَ بالجبل: إنّنا قومٌ نتربّى في خَلَواتنا المتواضعةِ على الطاعةِ والتقوى وعدم الذلّ ‏إلّا لله تعالى، ونُربّي أبناءَنا على العزّة والرجولة، ليكونوا أُباةً أحراراً، أحبَّاءَ في ما بينَهم، أشدّاءَ على ‏المُعتدين، ومتحدّياً ذلك الضابطَ الإسرائيليَّ المتعجرف، آنذاك، والمُطالبَ بتسليم سلاح الموحّدين الدروز، ‏قائلاً له: إننا لن نُسلّمَ سلاحَنا ولا نسألُ عن بيوتنا، بل نسألُ عن كرامتنا، ثيابُنا نرضى أن تكونَ مرقَّعة، ‏أمَّا كرامتُنا فلا، فاهدموا البيوتَ إن استطعتم، ولن تستطيعوا، ولنا في الله كافلٌ ومُعين.‏
إنّه الشيخُ اليعسوبُ، العطوفُ الرؤوف الذي ما تأخّرَ عن نُصرة محتاجٍ أو إسداء رأيٍ صواب أو اتخاذ ‏موقفِ جريء يحفظ عزّةَ الجبل وكرامة أبنائه ووحدتَهم، حين كانت الطائفة تحتاج إلى المواقف في أيام ‏الصعاب. فسار الجبلُ وسار الموحّدون على وقع إرادته الخيِّرة وثقته الراسخة بالله وجرأته وإيمانه، وهو ‏مَن كان العضُدَ الأقوى للقيادة المسؤولة والمرجِعَ الأوّل لإخوانه في مسلك التوحيد، والملاذَ الآمنَ في ‏النائبات، وصوتُ الحقّ المدوّي عند كلِّ مفترقٍ ومحطة. ‏
تعامل مع النّحل فجنى العسل وأخذ العبرة، أحبَّ تلك الجماعةَ المُنتجةَ فسمّى الموحدين ‏الدروز باسمها وشبَّههم بها، وإلى مثل مجتمعها دعاهم ليكونوا، مسالمين، منتجين، مجاهدين، حريصين على ‏الكرامة والسلامة، رافضين الظلمَ والعدوانَ، متطلّعينَ إلى الغاية، غيرَ غارقين في النظر إلى ورود الطريق ‏وأشواكِها، بل توَّاقين ليقطفوا شهدَ التوحيد ويتذوّقوا حلاوةَ الطاعة، حياتُهم كحياة تلك الجماعة، عملاً دؤوباً ‏وتعاوناً ونظاماً وجنى، جماعةً تعملُ بسلام وهدوءٍ ومثابرة، لا تتعدّى على أحدٍ، ولكنَّها تأبى الاعتداءَ عليها، ‏ولو كلَّفها ذلك الموتَ والشهادة.‏
ألم نَقُلْ يوماً في هذا المعنى، وعلى مِنبر العرفان:‏
كأمّةِ النحل هم، والزهرُ مطلبُهم ‏ ما أضمروا الشرّ يوماً لا ولا كادوا
يستلهمون الصفا، لكـنْ إذا ظُلموا الخيلُ تُسرَجُ والخيَّالُ مِعضادُ ‏
صوتُ التسامح يَدوي في وداعتهم ‏ لكنّ حملانَهم في الرّوع آسـادُ
الصبرُ شيمتُهم، والنـارُ تجعـلُهم أقوى وأنقـى، كأنّ الموتَ ميـلادُ
كالجمر إن يَسكُنوا، لكنّه لَهَـبٌ ‏ حذارِ منهم، فإن الجمرَ وقـّـادُ
هذا ما علّمَنا إيّاهُ شيخُنا الإمام، وهو مَن كان القدوةَ في كلّ ما هو خير، وإلى شجاعته المعهودةِ تلك، فقد ‏تعامل مع الطبيعةِ برقّةٍ ودقّة، أحبّ أرضها وخيرها وطيرها، وتآلف معها منذ فُتوّته، فحوّل "رأسَ الذيب" ‏في خلوته إلى حَملٍ وديع، لم يُغلقْ بابَه خوفاً من وحش ضارٍ أو ردّاً لزائرٍ قاصد، بل كان واثقاً بربِّه، فاتحاً ‏مجلسه وقلبه لمن قصدَه، غيرَ منعزلٍ عن هموم مجتمعه، متصدياً بحكمته ووعيه لقضايا الناس ومصير ‏الوطن، فاحترمه الزعماء والرؤساء، وأضحت بعقلينُ في زمانه محجةً تُقصدُ ومَعينَ حكمةٍ يُرتشفُ منه ماءُ ‏الصِّدقِ والورعِ والشجاعة. قاعدتُه الأساسُ كانت: "من لم يخفِ اللهَ خاف من كلّ شيء ومن خاف اللهَ خاف ‏منه كلُّ شيء." وهكذا كان شيخُنا الورعُ المقدامُ لطيفاً ووقوراً في آنٍ، صافياً، رقيقاً، زاهداً عابداً، عالماً، ‏عاملاً، حازماً، ثائراً من أجل إعزاز كلمة الحق وزهق الباطل، مقتنعاً بقولِه تعالى: "إن الباطلَ كان زَهوقا".‏
كان متورّعاً لا يتعدّى الحقّ في كلامه، عفيفاً خاشعاً، دائم الابتهال والتأمّل والبسملة والحمدلة والتلاوة، ‏قانعاً بما أُعطيَ، مع إفراغ جهده في تحصيل ما هو أفضل، متّكلاً على الله وليس متواكلاً، مُجسّداً القولَ ‏بالفعل، غيرَ طامعٍ بحطامِ الدنيا ومواقع الوجاهة، معتمداً القاعدة القائلة: "لا تسألِ الإمارةَ فإنك إن أُعطيتها ‏عن مسألة وُكِلتَ إليها وإن أُعطيتَها عن غير مسألة أُعِنتَ عليها". ‏
لذلك عُرفَ بأنه الشيخ القدوةُ العلم، والموجِّهُ الفيصلُ الحكَم، صاحبُ الرأي الصواب والموقفِ المُهاب، ‏الثابتُ في الأحكام وفي القضايا، والراسخُ في مواجهةِ الصعابِ والبلايا، الفارسُ المقدام والسيِّدُ الهُمام، ‏الناسكُ المجاهد والصابرُ المُكابد، العقلاني الواقعي والدقيقُ الألمعي، العارفُ بالله والعابدُ إيَّاه، الراغبُ ‏بأُخراه والزاهدُ بدُنياه، المُقتدِرُ المتواضع، المُدرِكُ قدْرَ نفسِه بعيداً عن الكبر والعُجب وحبِّ الرئاسة، والقائلُ ‏تكراراً نقلاً عن السيِّد المسيح (ع): "لا تسكن الحكمةُ إلا في النفوس الترابية، والكبرُ لا يكون إلا في النفوس ‏التي لا تسكنُ فيها الحكمة".‏
لقد ملأ الجزيرة اسمُه، وعطَّرت الآفاق مناقبُه، وأدهشتِ المتأملين خُطواتُه ومآثرُه، كيف لا؟ وهو الناظرُ ‏بعين التمييز واليقين، حتى بانت له أبعادُ الحقائق على أحسن تقويم، وهو المتسامحُ بحقِّه والمُطالبُ بحقوق ‏الأخوان والدِّين، والمتشدِّدُ بالتزام الفرائض مع عطفٍ ولين. الوقورُ بتواضعه، والجليلُ بمواقفه، اللطيفُ ‏الرقيقُ بتوجيهه، المكافحُ في الملمّات، والمندفعُ لقضاء الواجبات. المُستقِلُ الكثيرَ من نفسه والمُستكثِرُ القليلَ ‏من سواه.‏
قلّما جاد الزّمان بمثله حكمةً وتقوى وشجاعةً ومهابة، حضورُه كان كنزاً روحياً للموحّدين وغيابُه كان فاجعةً ‏لأبناء التوحيد المسلمين المؤمنين، إذ هو المثَلُ والمثال، الزاهدُ بالجاه والمال؛ زهدُه كان زهدَ الأحرار الّذين ‏خرجوا عن الدّنيا قبل أن يخرجوا منها، فانسلخ من نفسه متحرّراً من شهواتها وأهوائها؛ زهدَ الأوفياء ‏الأولياء الأتقياء، زهداً تفَّجّرتَ منه العلومُ والحِكم والفضائلُ، كما قال السيّد الأمير (ق): "فلاحَ لعلماء الآخرة ‏أنّ الطريق مسدودة عن الوصول الى المعارف ومقامات القرب الاّ بالزّهد والتقوى، فبصفاء التقّوى وكمال ‏الزّهد يصيرُ العبدُ راسخاً في العلم...". ‏
وهو الصابرُ على ما يكره وعلى ما يُحبّ، وصَّبرُه كان صبرَ الأولياء المقرّبين، صبراً في الله ولله ومع الله، ‏حيث لا شكوى إلّا إليه ولا تخلُّقَ إلَّا بأخلاقه تعالى، ألم يُوحِ اللهُ سبحانه وتعالى إلى النبّي داود (ع) فقال له: ‏‏"تخلّق بأخلاقي، وإنّ من أخلاقي أننّي أنا الصّبور". ‏
وأمّا شجاعته وحكمته فكانتا ثمرةَ صفاء الزّهد والإخلاص في الصّبر، أفليست الشجاعةُ الحقيقية هي في ‏التنحّي عن زينة الدنيا وأهوائها، وفي الصبرِ على آلامِها وبلوائها، وفي مجاهدة النفس ومواجهة الباطل ‏والذود عن الوجود؟ ‏
وأمّا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فكانا دأبَ شيخِنا الطاهر، وخاصة عندما خمدت جَذوةُ الإيمان في ‏النّفوس، وظهرت البدع، فكان لسانُه صادحاً بالحقِّ، داعياً إلى الخير، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ‏امتثالاً لقوله تعالى: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ ‏هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، أمَّا نهيُه فكان لطيفاً وصارماً في آن، مقدِّماً النّصيحةَ والموعظة الحسنة على الحزم والقسوة، ‏ملتزماً الصمت حيناً، مبادراً للكلام عندما يدعو الواجبُ فقط، على قاعدة الحكمة القائلة: "أعقِل لسانَك إلّا عن ‏حقٍّ تُوضحُه أو باطلٍ تَدحضُه أو حكمةٍ تَنشرُها أو نعمةٍ تَشكرُها".‏
‏ ‏
المشايخُ الأفاضل، الزملاءُ المعلمون والمعلمات، أيُّها الأحبّة،
ها نحن اليومَ، وباستضافةٍ كريمةٍ من مؤسستِنا التوحيدية الغالية؛ مؤسسة العرفان، وبما نحمِلُ من ذكرياتٍ ‏ومبادئَ وتوصياتٍ من تلك الرعاية الأبويّة الحاضنة للمؤسسة وتلك العلاقة الروحية الراسخة التي كانت ‏تجمع المرحوم الشيخ بالعرفان، نستذكرُ شيخَنا العلمَ ونتحسّرُ على غيابِه، وهل يغيبُ عن عيونِنا ذلك المشهدُ ‏المَهيبُ المُؤثِّر، يومَ تجلّلت بعقلينُ بالسّواد وزحفتِ البلادُ والعِبادُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ ومن كلِّ بقعةٍ ‏معروفيّةٍ، ومن مختلَفِ المذاهب والمناطق، ويومَ عَلَت أصواتُ التأبينِ والصلاةِ في الأوطان والمغتربات، ‏ويومَ انهمرت دموعُ الحبِّ والشوقِ ورُسمت علاماتُ التساؤل عمّا سيكونُ بعده، وعن حال الأمّةِ والناسِ بعد ‏رحيل شيخِ العصر وشيخ الجزيرة، رجلِ الأمانةِ التوحيدية، والقائدِ اليعسوبِ الذي اطمأنّت إلى قيادته خليّةُ ‏النحلِ، عينِ الأعيانِ وركنِ الأركان، والجوادِ الذي ما كبَا به جواد، والسيِّد الذي سادَ بتواضعه، وبزهده في ‏المظاهر وفي ما هو فانٍ وزائل، وتعلُّقه بالجواهرِ وبما هو باقٍ وخالد، والأبِ العطوف الذي أبى أن يميل ‏بعاطفته إلاّ إلى الحقّ. ‏
لقد كان من طينة أولئك الأطهار الأبرار الذين أدركوا ما يجب أن يكون عليه المُوحِّدُ المُتحقِّق، وما يجبُ أن ‏يطمحَ لبلوغه كلُّ ذي عقلٍ وحكمة من سعادةٍ وطُمأنينةٍ وإنسانية، العارفين بأن الدينَ ليس هو الغاية، إنّما هو ‏وسيلةٌ لتحقيق الغاية، وأن الغايةَ أبعدُ وأرفعُ من علمٍ ومعرفةٍ وطقسٍ وتنظيم، عندما يسعى إليها الموحِّدُ ‏سَعياً، ويكدحُ إلى ربِّه كدحاً فيلاقيه ويُدركُ الغايةَ إذّاك. الغايةُ هي معرفةُ الله التي تبدأ بمعرفة النفس ‏لا بسوى ذلك، غايةٌ يبلغُها الإنسان المتحقِّقُ بالله والعارفُ بالله، والمتطهِّرُ بذلك الحُبِّ وبتلك المعرفة؛ ‏الحكمةُ ضالَّتُه وإدراكُ الحكمة غايتُه. ‏
لذلك سعى شيخُنا، إلى تطهير روحِه من كلِّ خُبثٍ ودنسٍ وعيبٍ ورجس، فكان شجاعاً في توحيده، غيرَ ‏جبان، لا متردِّدٍ ولا مُراءٍ ولا مساومٍ ولا متوانٍ ولا متراجِع، بل كان سيِّدَ نفسه، مسيطراً عليها، آخذاً ‏بزِمامها، مالكاً قِيادَها، متوجِّهاً بها إلى المقاصد الإنسانية العُليا، التي هي مقاصدُ الدين، وغايةُ كلِّ شهادةٍ ‏بالله ورسله، وغايةُ كلِّ صلاةٍ وكلِّ صيام وكلِّ زكاةٍ وكلِّ حجٍّ، مرتقياً إلى حيثُ الحقيقة، مُسافراً في درجات ‏التعاليم التوحيدية ومعارجها، بالصدق مع الذات أوّلاً، ومع الله، وبحفظ أخوانه ومعاضدتهم وإفادتهم والذبِّ ‏عنهم وحملِ هموم قومه وأهله والعملِ من أجلهم، زاهداً بأمور الدنيا ولكن غيرَ منعزلٍ عن قضايا أهلِه، ‏مندفعاً للحفاظ على حقوقهم ووجودهم، غيرَ آبهٍ إلاّ بما يقتضيه الحقُّ والواجب، تاركاً كلَّ عبادةٍ لعَدمٍ فانٍ من ‏مالٍ وجاهٍ ولذّةٍ دنيوية، مُتبرِّئاً من كلِّ حالةِ طغيانٍ وسطوةٍ إبليسيةٍ، أكان في العقيدة أم في المسلك، في الفكرِ ‏أم في النفس، من الداخل أو من الخارج، لينطلقَ حرّاً في رحاب التوحيد الحقّ، الذي به تُعرَفُ الأشياءُ ‏وتتجوهرُ المعاني وتتحقّقُ غايةُ الدين، ولِيعيشَ إذّاك، كما عاش شيخُنا دائماً، راضياً مسلِّماً، حيث الرضى ‏هو الولاءُ الحقيقيُّ للّه دون اعتراض وإكراهِ قلب، وحيثُ التسليمُ هو الجهادُ الأكبرُ، نيّةً وقولاً وفعلاً، وقد ‏أتقنَ شيخُنا هذا الجهادَ في ميدانِه الأرحبِ والأوجب قبلَ وَبعدَ كلِّ جهادٍ دنيويٍّ أصغر، أكان هذا الجهادُ من ‏أجل العِرض والفرض أم من أجل الدفاع عن الكرامة والأرض.‏
منذ مطلعِ شبابِه الغَضّ سلك سبيل التقوى، فاتَّسعت لعقله الراجح أفسحُ الميادين، فثابر على الاطّلاع ‏والتفكير، واحتكم إلى الكتاب العزيز وما فيه من حكمة، مستنداً إلى النصّ الشريف، ملتزماً بالتعاليم ‏والمبادئ التوحيديةِ، موازناً بين العقلِ والنقل، مغلِّباً العقلَ ومؤوِّلاً النقل، وازناً القضايا والأمورَ بميزانهما، ‏عائداً إلى الله تعالى في كلِّ كبيرةٍ وصغيرة، يردُّ إليه الأمرَ إذا ما أُشكِلَ عليه على قاعدة ما قاله الأمير ‏السيِّد (ق): "الأمور ثلاثة؛ أمرٌ تبيَّن لك رُشدُه فاتَّبعوه وأمرٌ تبيَّن غِيُّه فاجتنبوه وأمرٌ أُشكِل عليكم فلله ‏رُدُّوه". ‏
عاش حياته مثابراً على تأديةِ فرائض الدين، متنقّلاً بين بيتٍ متواضِعٍ بُنيَ على العِفّةِ والطهارة والكرمِ ‏والمحبة والضيافة، وبين خلوةٍ قرببةٍ جامعةٍ نهضَ فيها في خدمة إخوانه وجَمعِهم ورعايةِ كبارهم ‏وصغارهم، وبين خلوةٍ بعيدةٍ بسيطة خاليةٍ من أيِّ مظهر تَرَفٍ وفُضولِ عيشٍ، إلاّ من طهارة المكان، وصفاءِ ‏الروح والاستئناسِ معَ الله، ولذةِ المناجاةِ والعبادة والتقوى والسعادة الروحية.‏
استحقّ بعلمه وعمله أن يكون المرجعَ الروحيَّ، لكنّه كان لا يستحبُّ هذا اللقب وما شابهَه من ألقاب ‏المرجعية والرئاسة لشدّة تواضعِه وتأكيده على بساطة المسلك الروحانية، ولكنَّه كان حقَّاً الموئلَ التوحيديَّ ‏وصاحبَ الكلمة الفصل، وكما يبرز في كل مجتمع وطائفة ووطن رجالٌ أعلامٌ بمواقفهم الحازمة وفكرهم ‏النيّر وتصرّفهم المسؤول وسلكهم القويم، فقد كان المرحوم الشيخ ابو محمد جواد واحداً من أولئك الذين ‏يُحَجُّ إليهم في النائبات ويُغترفُ من معين تقواهم ومحبتهم ويقينهم، ويُقتدى بجِدِّهم وجِدّيتهم واجتهادهم، ومع ‏كلّ تلك السمات الطيّبة والصفات الراقية والموقع المميّز، بقي شيخُنا الجليل على بساطته الروحانية، باكياً ‏متحسّراً على تقصيرٍ أو توانٍ منه، معترفاً بالعجز والفقر، وبالحاجة إلى دعاء أخوانه، وطالباً من الله تعالى ‏المغفرة والسماح والمعونة.‏
‏ ‏
وتبقى العبرةُ في مؤسساتنا وقرانا ومجتمعنا في الاستقاء من سيرة الشيخ والسير على نهجه وتعاليمه، ‏إعزازاً لدين الله وصوناً للنفوس وللمجتمع والوطن الذي كان يَسألُ عن أحواله دائماً، وهو على فراش ‏العجز والمرض في سنواته الأخيرة، داعياً القادة والمسؤولين إلى حسن التدبير والتبصُّر بالأمور، ومشدّداً ‏على وحدة الصفّ وجمع الشمل والعيش المشترك بين أبناء الوطن، وتلك هي الرسالة العبرة التي يتوجّب ‏علينا حملُها في الجبل وفي كل الأمّة؛ أن نبدأ بأنفسنا فنصقلها على الخير والمحبة ثم بالمجتمع القريب، ‏وصولاً إلى الأوطان والناس جميعاً، وفي ذلك يكون الخلاص وتكون السعادة التي هي أبعد من الموت ‏وأقوى.‏
لقد سُجِّل اسمُه في التاريخ التوحيدي كواحدٍ من كوكبةِ الأعلام الموحِّدينَ العارفين والشيوخِ الثِّقات ‏الأفاضل، بأيِّهم نهتدي نقتدي، وهو مَن كان المتميِّزَ بينهم بجملة إنجازات، لعلَّ أوّلَها احتضانُه للعرفان؛ ‏المؤسسة التوحيديةَ القدوة، وحثُّه القيِّمين عليها على الاهتمام بالتعليم الديني، معتبراً في رسالتِه الثمينة ‏للمؤسسة أنه مهما تقدَّمت في العلوم الأخرى فهذا لا يكفي إذا لم يكن الاهتمامُ منصَبَّاً على التعليم الديني. ‏وثانيها اهتمامُه بالمدارس الدينية للأخوات الموحِّدات في القرى، إذ كان يشعرُ بالمسؤولية تجاههنَّ وبواجب ‏حثِّهن ومساعدتهنّ، كما الإخوان الموحدين، على طلب الحكمة وحفظها ودرسها وفَهم معانيها والعمل بما ‏فيها، وأنهنَّ، كما الإخوان كذلك، مُطالبون بذلك. وثالثُها علاقتُه الرزينة مع الزعامة السياسية والتعاون معها ‏لحفظ الإخوان والمجتمع التوحيدي، على قاعدة المطالبة بما هو حقّ وعدم المواجَهة معها، بل التشديد على ‏شدِّ أزر القيادة لصون الكرامة العامة وتأكيد الحضور الوطني للطائفة، وهو ما جسَّدته العرفان قولاً وفعلاً، ‏وما نعمل على تجسيده من موقعِنا في مشيخة العقل والمجلس المذهبي، كيف لا؟ وهو مَن كان الداعمَ ‏والمهتمَّ بتنظيم شؤون الطائفة والمتعاطي مع القانون المقترَح آنذاك بواقعيةٍ وإيجابيّة ومسؤولية.‏
‏ ‏
ما بين نهار الجمعة في27/4/2012 وانتقال روحِه الطاهرة بأمر ربِّها في صبيحة ذلك النهار، ونهار ‏الجمعة اليوم في 28/4/2023 إحدى عشرة سنة على الغياب، سنواتٌ مليئةٌ بالمتغيُّرات والمستجدَّات، ‏ولكنَّها حافلةٌ بالثوابت والعِبر. فعسى أن نبقى على نهجِه وأن نستمرَّ معاً في حَملِ رسالتِه، محافظين على ‏الثوابت التوحيدية والمعروفية والوطنية والإنسانية، وأن نُحسن التعامل مع المتغيِّرات، في العرفان وعلى ‏مستوى الطائفة بالأجمع وعلى المستوى العام. ‏
هذا هو توجُّهُنا في مشيخة العقل والمجلس المذهبي، وهذا هو توجيهُنا لمجتمعِنا التوحيديّ والوطنيّ؛ بأن ‏تقتديَ بأعلامِنا فنهتديَ إلى الصواب، وبأن نلتقيَ فنرتقيَ ونحن في طريقِنا إلى تحقيق غايتاِنا التوحيدية ‏والاجتماعية والوطنية، وأن نحصِّنَ مؤسساتِنا بتعزيز الإيمان في قلوبِنا، وصون القيَم في عائلاتِنا، ونسجِ ‏العلاقات الطيِّبة والمتوازنة معَ شركائنا في العيش الواحدِ والبناء الوطني المشترَك، والمشاركة الفاعلة في ‏مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. ‏
ولو لم يكن هناك حدودٌ للوقت وللقول وللطاقة عندنا لكان الكلام لا ينتهي بساعاتٍ وساعات، لكن اسمحوا ‏لي أن أختم فأقول بعضاً ممَّا قلتُه آنذاك قبل أن أسكت، "وفي السكوتِ كلامٌ بعدُ ما كُتِبا"، فأقول ما قلتُه في ‏يوم الوَداع:‏
‏ ‏
ألا بُوركتَ يا شيـخَ البــلادِ بزُهدِك، بالمحبةِ، بالجهـادِ
ألا بوركتَ من علمٍ ورمـــزٍ حَبـاك الله أسرارَ الرَّشادِ
إذا نام العِبــادُ تَلوتَ سرَّ ‏ الـدعاءِ، مناجيـاً ربَّ العِبادِ
وإن جمعـوا من الأرزاق زاداً جمعتَ العلمَ زاداً، خيـرَ زادِ
أو اختلفوا على الدنيــا طَماعاً رضِيتَ وكنتَ مرتـاح الفؤادِ