المجلس المذهبي | مجلة الضحي
السبت ٠٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ - 27 جمادي الأول 1448
شيخ العقل رعى توقيع كتاب عن سيرة ونهج أحد المشايخ الأعيان في مجدل بعنا: لتعزيزِ وحدتِنا الداخلية والوطنية

2026-11-07

أمل سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى جمع الشمل وإصلاح ذاتِ البَين حيث يجب، ومن مواجهة ‏التحديات الاجتماعية والأخلاقية والمؤامراتِ التخريبية التي تكمنُ لنا في العمائرِ والسُّبُل، ومن تعزيزِ وحدتِنا الداخلية والوطنية، والعملِ معاً ‏لصَون وجودِنا.‏

كلام سماحة الشيخ ابي المنى جاء خلال رعايته ندوة حول كتاب "في رحاب سيرة ونهج سيدنا الشيخ ابي فارس محمود عبد الخالق" - من ‏منشورات كلية الأمير السيد عبدالله التنوخي (ق) الجامعية للعلوم التوحيدية لمؤلفه الشيخ يحيى عبد الخالق، بدعوة من جمعية الرابطة ‏الأخوية مجدل بعنا اقيمت في قاعة الجمعية في البلدة، وحاضر فيها مدير ثانوية العرفان التوحيدية في صوفر الشيخ عماد فرج، رئيس ‏جمعية الأشراق الخيرية الشيخ الدكتور وجدي الجردي، والمشرف المسؤول عن الكلية الشيخ هادي العريضي، بحضور عدد كبير من ‏المشايخ وقضاة واعضاء من المجلس المذهبي ومن مديريتي المجلس ومشيخة العقل، وفاعليات روحية وحزبية وبلدية واختيارية واجتماعية ‏وثقافية واهلية ومن ابناء البلدة والمنطقة.‏

ومما جاء في كلمة سماحة شيخ العقل في ختام اللقاء:‏
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله على ما أهدى وهَدى، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّ الرحمةِ والهُدى، وعلى صحبِه وآلِه ممَن آمنَ واهتدى، ‏وعلى مَن تبِعَ الحقَّ وبأوليائه اقتدى... ‏

المشايخُ الأفاضل، السادةُ الأكارم، الأخوةُ والأخوات، الحضورُ الكريم… في خطوةٍ مباركة تتجاوزُ أجواءَ الحزن التي سيطرت على ‏مجدلبعنا في الأيام الماضية، ولفّتها بدثارٍ واقٍ من الوعي والرضا والتسليم، وبعد أسبوعين من الموعد المؤجَّل، ها نحن نلتقي اليومَ في كنف ‏عائلتنا التوحيدية لنُعطيَ إشارةً واضحة للمجتمع بأهمية تغلُّبِ الحكمةِ على الجهل، والعقلِ على الانفعال، ولِنُقدِّمَ رسالةً روحية حيّة من ‏خلال الإضاءة على سيرة شيخٍ ثقةٍ من شيوخ هذه البلدةِ الأطهار، وعينٍ علمٍ من أعلامِ طائفتِنا الأبرار، سيِّدنا المرحوم الشيخ أبي فارس ‏محمود عبد الخالق، الذي قيل عن مسلكه الطاهر بأنه"مسلكُ الدُّعاة"، وهو مَن كَتبت نبضاتُ قلبِه الطاهر سيرةَ حياته في كتابٍ معنويٍّ قبل ‏أن تَكتبَ صفحاتِه الورقيةَ يدُ الشيخ يحيى عبد الخالق، الذي كان له الفضلُ بجمع الأخبار وكشف الأسرار، والفضلُ موصولٌ لشيوخ خلوتِه ‏الأوفياء وناقلي سيَرتِه النجباء، جزاهمُ اللهُ خيراً على ما حفِظوه، وأثابهم أجراً على حسن ما فعلوه. وإننا إذ نُلبِّي اليومَ دعوةَ الشيخ يحيى عبد ‏الخالق ووالدِه الفاضل، فإنَّما نأتي بدافع تعلُّقنا المتوارَث بشخصية الشيخ أبي فارسَ التوحيديةِ المرموقة التي برزت في عصرها كنموذجٍ ‏أرقى وكمثَلٍ أعلى، كيف لا؟ وهو أحدُ أولئك الأعيان الكبار الذين بادروا منذ البدايات إلى ملازمة أهل الفضل والحكمة والتقوى، وعملوا ‏على إصلاح النفس أوّلاً، فسادوا في مقامهم الروحيّ وتميّزوا في حضورهم الاجتماعي،وزرعوا في المجتمع بذورَ الإيمان والمحبة ‏والصلاح، وتركوا في بيئة أهلِهم ومعاصريهم آثاراً اجتماعيةً حيّة وأسراراً توحيديةً غنيّة، وشيخُنا الجليل كان في هذه وتلك مثالَ الأبِ ‏الرؤوف على إخوانِه "الأجاويد" وعلى مجتمعِه، ممّا حدا ببعض أعيان البلاد للقول حينَ رحيلِه: "الآن حلّ اليُتمُ بأهل الخير". ‏

واضاف: " يحملُ هذا اللقاءُ معنى الوفاء للسلف الصالح وللرسالة التوحيدية وللهوية المعروفية، ونحن إذ نشاركُ معَ إخوانِنا المتحدّثين ‏الأفاضل، فإنّما ذلك أيضاً بدافع تقديرِنا للبحث الواقعي الذي ينطقُ بلسان المحبة والعلم والأمانة، طالبين الأجرَ والثواب، ومُشجِّعين على ‏الغوص في معالم هذا المسلك التوحيديّ الشريف وتعاليمِه، والإضاءة على سِيَرِ الصالحين وآثارِهم، والتنقيب عنها من حافظي إرثِهم ‏المعرفيِّ والمسلكيّ، ونقله من ذاكرة المشايخ الثِّقات إلى مدارس العلم والحياة. لهذه الدوافعِ، ولمحبتي العميقة لبلدتنا الغالية مجدلبعنا التي ‏نُكحِّلُ عيونَنا وقلوبَنا بها عند كلِّ صباح، ولأكثرَ من جاذبٍ تجاهَ شيخِنا المحمود ونهجِه المعهود، الذي لم نُدركْه بسبب فاصل الزمن لكي ‏نتمكّنَ من تقبيل يده الطاهرة، لكنَّنا أدركنا حضورَه الروحيّ ولو عن بُعد، وشمَمْنا شذا تقواهُ من قلوبِ وألسنةِ مشايخِنا الأجلَّاء الذين ‏عرفناهم، وقد تناقلوا مآثرَه وحدَّثوا بمناقبِه وتحدَّثوا عن جميل ذِكرِه وعظيم فضلِه، وعن حثِّه الدائم على المجاهدة والتعلُّم، وتحسُّره لغلبة ‏التقصير على التشمير، قائلاً بأسلوبِه القرويّ اللطيف: "شو بدك تِنخي تا تنخي... رجال الشدّة قلال". وإن كنتُ قد تشرّفتُ برعاية حفلِ ‏إطلاق هذا الكتابِ برعاية الله سبحانه وتعالى وعونِه، في هذا النادي العريق، بعد أن كتبتُ مقدّمةً موجزة للكتاب إلى جانب المقدّمة الثريّة ‏للأخ الكريم الشيخ عزت عبد الخالق، حفظه الله، فذلك إيماناً منّا بأن ما تحتويه تلك السيرةُ العطرةُ من مشاهدَ معبِّرة، وما يتضمّنُه ذلك النهجُ ‏الموزونُ من دروسٍ وأمثالٍ وعبَر، هو ما نحتاجُ إليه في زماننا الحاضر لبعث النخوة التي تحسّر شيخُنا على فَقدِها، والمروءةِ التي أرادها ‏أن تنموَ فينا لمواجهة تحديات الحياة الدنيوية وبريقِ صورِها اللمّاعة، علّنا نُدركُ أنّ عيشَ الإنسانية بمعناها الحقيقيّ وبلوغَ سعادة الدارَين ‏باطمئنان، يكمُنان في حياةٍ جوهرية، جسّدتْها واقعاً تلك النخبةُ المجاهدة من أربابِ المسلك العرفانيّ، وهمُ المنتصرون على أنفسهم ‏بتواضعهم، والراسخون في الله بعلمهم ومعرفتهم وحكمتهم، وأُولو الألباب الذاكرون المتذكِّرون الذين أشار إليهم القرآنُ الكريمُ بالقول: "وَمَا ‏يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ". عن مثل هؤلاءِ القومِ الكرامِ فلْيُكتَبْ، ‏وبمثل هذا العمل المبارَك فليُقتدَ، وهذا ما شجّعنا ونُشجِّعُ عليه واللجنة الدينية في المجلس المذهبي، للسير قُدُماً بهذا النهج الشريف، كما سار ‏الشيخ يحيى خرِّيجُ خلوةِ الشيخِ ومدرستِه، قبل أن يكون خرِّيجَ كليةِ الأمير السيد عبدالله التنوخي للعلوم التوحيدية التي نُؤتَمنُ عليها ونعقِدُ ‏الآمالَ على خرِّيجيها، راجينَ أن تكونَ هذه الكتبُ والمنشوراتُ التي تتناولُ سِيَرَ أوليائنا المنتجَبين وشيوخِنا المُتَّقين ووجوهِ الخير والتلاقي ‏الروحي والإنساني الخيِّرين، سبيلاً لنا ولأبنائنا الأعزّاء لبلوغ الغاية الحقيقية والمسافرة والارتقاء في رحاب الحقِّ ومعارجِه، ولتحقيق ‏التوازن المطلوب بين الحياة الروحية والحياة الاجتماعية اللتين تُكمِّلان وتُقويّان بعضَهما بعضاً. ولنا في شيخنا الجليل المرحوم الشيخ أبي ‏فارس وأقرانِه خيرَ دليلٍ على اقتران الواجب اللازم بالواجب المتعدّي؛ الأولِ تجاه النفسِ الأمَّارةِ بالسُّوء والقادرةِ في الوقت نفسِه على ‏التطهُّر وفعلِ الخير، والثاني تجاهَ الإخوانِ والمجتمع المعرَّضِ لأمواجِ الحرياتِ وفوضى رياحِها الهوجاء. هذا ما نحتاجُه، كلٌّ في مجال ‏عملِه، وفي ميدان انشغالِنا في مشيخة العقل، بما فيها من مسؤولياتٍ متعدِّدة، لا يجوزُ التخلِّي عن أيٍّ منها، مهما عظُمت التحدياتُ وازدادت ‏العقبات، إذ هي أمانةٌ مودوعةٌ لدينا ولدى شيوخِنا الأجلَّاء وقادةِ المجتمع والبلاد، ولدى كلٍّ منّا، بما يُوجبُه الأمرُ من حرصٍ وجُهدٍ لصون ‏تلك الأمانة والحفاظِ عليها وصقلِ جوهرِها ما استطعنا، كما فعل المرحومُ الشيخ أبو فارس ونجلُه الديِّنُ الثِّقةُ المرحوم الشيخ أبو محمود ‏سليمان، وما قدّماه من دروس وعِبَر، أفاض الكاتبُ في الإضاءة عليها، مع قلّة المصادر والكتب والمراجع وعدم وجود مؤلَّفاتٍ خطيّة ‏لمشايخِنا الكبار، وهذه معضلةٌ أساسية تواجه الباحثين في سِيَرِ السلف الصالح، فتدفعُهم إلى الاعتماد على التراث الشفهي والأحاديثِ ‏المتناقَلة، وإلى تحليل ما يُروى عنهم من الأقوال والأفعال، واستخلاصِ معانيها المنسجمة معَ ما ورد في قُصص أهل التصوُّف والعرفان ‏الأوائل، وأربابِ الحكمة عبر الزمن، وفي ذلك جُهدٌ مُضاعَفٌ يُثابون عليه". ‏

وتابع: "معَ تقديرِنا للجهد المبذول من الأخ الشيخ يحيى والدقّةَ المتوخَّاةَ في التبويب والسرد والتحليل، لكن بعضَ ما أثاره في الكتاب، وعلى ‏الأخصّ في الفصل السادس، قابلٌ للنقاش؛ منه ما ورد حول اعتماد مصطلح "المرجعية الدينية"، وحول "إشكالية التداخل الديني – ‏السياسي"، ففي الموضوع الأول لا بدّ من التوضيح أن هذا المصطلح لم يكن يعني في تراثنا الروحي ما يعنيه عند بعض المذاهب الإسلامية ‏التي تعتمد التقليدَ والمرجعياتِ الفقهية، وأن تخصيصَ المشايخِ الأعيان الثقات كالمرحوم الشيخ "أبو فارس" بالعمامة الطاهرة؛ "المكولسة" ‏أو "المدوَّرة"، لم يكن بهدف إطلاق لقب "المرجعية" على الشيخ المعمَّم، بل كان ذلك تقديراً معنويّاً له لكونه القدوةَ والمثلَ الأعلى لإخوانه ‏في التزامِه وعلمِه ودقّةِ مسلكه، وهو ما يزيدُه تواضعاً وارتفاعاً وحرصاً على وحدة الجماعة وصونِ كرامتها، وفي ذلك ضمانةٌ للمجتمع ‏وحفظٌ للتراث، إذ إن مشايخَنا الأجلّاءَ في حقيقتِهم يُمثّلون مرجعيةً روحيَّةً وجدانيةً يُأوى إليها ويُستنَدُ عليها. أمّا الموضوعُ الآخرُ القابلُ ‏للنقاش فهو "إشكاليةُ التداخل الديني – السياسي"، الذي يُطرَحُ فيه تطوّرُ دور المشيخة الدينية والتداخُلِ بين الشأنين الديني والسياسي في ‏مراحلَ معيَّنة استوجبت وتستوجبُ ذلك، ممّا يحدونا للقول: إن ما نعيشُه اليومَ من تداخلٍ سياسي - ديني، ومن تطوُّرٍ علمي وتقاطعٍ اجتماعي ‏يوجبُ علينا الانفتاحَ والوعيَ والعقلانية والتكيُّفَ معَ الواقع ومواكبةَ العصر بتوازنٍ وحكمة، وتأكيدَ الحضور الوطني بكفاءةٍ ورزانة، وهو ‏ما تتولَّاه مشيخةُ العقل ورئاسةُ المجلس المذهبي، حيثُ لا تُحصرُ مهامُها بالشأن الديني وحسب، بل تشملُ كذلك تحمُّلَ المسؤولياتِ ‏الاجتماعية والوطنية، وهذا ما يجبُ إدراكُه والإقرارُ به، كونها معنيةً، بالإضافة إلى الرعاية الدينية، بحفظ الطائفة وصونِ وجودها ‏التاريخيّ، وبتحمُّل المسؤوليات في مختلف الشؤون والشجون، بالتعاون الوثيق مع القيادات السياسية ومع الهيئات الروحية والأهلية، وحيث ‏يقتضي الواجبُ التفاعلَ مع الواقع واحترامَ التنوُّع في إطار الدولة الرسمي التي تتمثّلُ فيها جميعُ الطوائف بمؤسساتها المذهبية، وحيثُ ‏يقضي القانونُ بأن يرعى المجلسُ المذهبي مؤسساتِ الطائفة ويُشرفَ على ممتلكاتها الوقفية، معَ ما يقتضيه الواجبُ الديني من التقدير البالغ ‏لشيوخِنا الأجلَّاءِ ولمكانتهم الدينية وأهمية الاستئناس بتوجيهاتهم وآرائهم، إذ هم حرَّاسُ العقيدةِ التوحيدية والقيَم الاجتماعية، والسَّنَدُ الروحيُّ ‏المتينُ في مواجهة التحديات الوجودية والحفاظ على الهوية الروحيةِ والأخلاقية". ‏

وأردف: "أمّا في موضوع الهوية فيحقُّ لنا جميعاً أن نتساءلَ: أين نحن من مسؤولية الحفاظ على تلك الهوية الروحية والأخلاقية؟ وأين نحن ‏من وحدة الطائفة وتماسكِها، والتأكيد بأن لنا هويةً واحدة لا هوياتٍ متعددة ومتناقضة، وان تعدّدتِ الهوياتُ الوطنية بحسب كلِّ دولة نستظلُّ ‏نظامَها ونُشاركُ في بناء عقدها الاجتماعي ونحافظُ مع شركائنا فيها على عيشنا الآمن والكريم؟ وهل يعي إخوانُنا وأبناؤنا هنا وهناك أنّ ما ‏تتعرضُ له مقدّساتُنا وما تواجهُه طائفتُنامن انفلاتٍ إعلامي غيرِ مسبوق وغير مقبول، نستنكرُه ونرفضٌه، أكان من الخارج أم من الداخل، ‏ونحثُّ شبابَنا وأبناءنا على عدم الغرق في وحوله القذرة، ونطالبُ الدولةَ بمحاسبة المرتكبين المتجرّئين على الدين والتاريخ والتراث وعلى ‏نخبة القوم، بما يندرجُ ضمن مخطط عدوانيٍّ خبيث لهدم الأسس وضرب الثوابت، وهذه أيضاً مسؤوليتُنا بأن نتصدّى بالوعي والحكمة ‏والإرادة والوحدة لمثل هذه المشاريع الهدّامة، وإن كنّا نشجّع على التغيير حيث يجب ويمكن، وعلى التطور والانفتاح المدروس والموزون، ‏لكنّنا لا نرضى المسَّ بالثوابت والأصول، فهذا نوعٌ من الاعتداءالآثم، والموحِّدون الأصيلون لا يقبلون الاعتداءَ عليهم مهما بلغتِ ‏التضحيات. لن أُطيلَ أكثرَ، ولكن اسمحوا لي أن أعودَ إلى ملامسةِ روحية شيخِنا الطاهرة، لأختمَ بأبياتٍ من قصيدة رثاءٍ كان لي شرفُ ‏نظمِها وإلقائها في وداع شيخِنا الجليل الشيخ أبي محمود، قُبيل تسلُّمي مقامَ مشيخة العقل بأشهرٍ قليلة، وقد عبَّرتُ فيها عن واقع أولئك السادةِ ‏الأعيانِ الثِقات الغارقين في حبِّ الله وكتابِه العزيز، وعن تعلُّقِنا بسيَرِ حياتِهم الطاهرةِ النقيّة فقلت: ‏

ويسألُ الناسُ هل في الناسِ مَن بلغوا ‏
مقامَ عزٍّ، وما في عيشِهم صخَبُ ‏
ومن قضَـوا عمرَهم في حُبِّ خالقِهم ‏
بالجِدِّ والجَدِّ، خيلَ الكَدِّ قد رَكبـــوا

فأدركوا أنّ نَيلَ الفوزِ مُرتَهَنٌ ‏
بطاعةِ الله، والتّقوى هي السببُ
وشاهدوهُ بمرآةِ النفــــوسِ متى لهم تَجلَّى، فزالتْ عنهمُ الحُجُبُ.‏
وختم سماحته: "رحمَ الله أولئك القومِ السبَّاقين من سلفنا الصالح ومن هذه العائلة المعطاء، أمثال المرحومِين الشيخِ القدوةِ المثال أبي فارس ‏محمود والشيخ العلمِ المفضال أبي صالح يوسف والشيخ الزاهدِ المقدام أبي محمود سليمان والشيخ العالمِ الهُمام أبي حسين محمود وسواهم ‏ممَّن كانوا أركانَ الدينِ والمجتمع في هذه الديار، وحَفِظَ لنا الخلفَ الكريمَ من المشايخ والأخوةِ الأكارم، علّنا نتمكّنُ وإيَّاهم من جمع الشمل ‏وإصلاح ذاتِ البَين حيث يجب، ومن مواجهة التحديات الاجتماعية والأخلاقية والمؤامراتِ التخريبية التي تكمنُ لنا في العمائرِ والسُّبُل، ‏ومن تعزيزِ وحدتِنا الداخلية والوطنية، والعملِ معاً لصَون وجودِنا، مستمدّينَ إرادةَ الخير من حكمةٍ توحيديةٍ لطُفتْ، ومن وجوهٍ روحانيةٍ ‏سلفَت، والحمدُ لله في الختام، كما في البدء، وعلى الدوام". ‏

الندوة
وكانت الندوة قد استهلت بتقديم من الشيخ دانيال عبد الخالق، وكلمة ترحيبية من رئيس جمعية الرابطة الأخوية السيد مالك عبد الخالق، ‏ليتوالى المحاضرون على الكلام.‏

الشيخ هادي العريضي هنأ المؤلف على "الجهد البحثي والتَّوْثيقي، وعلى اختياره شخصية الشيخ أبي فارس محمود عبد الخالق موضوعاً ‏لدراسته، بما تحمله هذه الشخصية من أبعاد دينية وروحية واجتماعية تستحق التوقف عندها والبحث فيها". مؤكدا "حرص الكلية على ‏تشجيع طلابها ومواكبتهم في مسيرتهم الأكاديمية، ودعمهم لمتابعة دراساتهم العليا"، ومعتبرا بأن "نهضة المؤسسات العلمية لا تتحقق إلا ‏بتشجيع المعرفة، ورعاية الطاقات، وفتح المجال أمام أبنائها ليكونوا شركاء في إنتاج العلم وخدمة المجتمع. واهمية المناسبة هي لفتح باب ‏النقاش حول كيفية قراءة سير رجالاتنا، وتوثيق تجاربهم، واستخلاص ما تحمله من قيم ودروس للأجيال الحاضرة واللاحقة". ‏
وتناول العريضي الكتاب من ثلاث زوايا وأربع وقفات من السيرة، رأى انها تحمل مضامين روحية ومسلكية وإفادية. وخلص بإن "الرسالة ‏الروحية التي يمكن أن نستخلصها من الكتاب هي أن العلم لا يكتمل إلا بالعمل، وأن المعرفة ينبغي أن تقود إلى تهذيب النفس وإصلاح ‏العلاقة مع الله والناس. وكيف نحافظ على جوهر النهج الروحي في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية، ونُنشئ جيلاً لا يكتفي بمعرفة سير ‏الصالحين، بل يحمل قيمهم ويترجمها إلى سلوك وممارسة، ونجعل من مؤسساتنا الدينية والعلمية فضاءات لإنتاج المعرفة، وترسيخ ‏الأخلاق، وبناء الإنسان الموحد؟.‏

اما الشيخ الدكتور وجدي الجردي فتوقف في مداخلته عند فصول الكتاب، مفنداً أقسامه ومستلهما من مسيرة الشيخ الراحل العبر التي تطبع ‏نهج السلف الصالح، انطلاقا من المسالكَ التوحيديّةَ التي تتجددُ بتجددِ الزمانِ وتنتقل من مكانٍ إلى مكان، ببروز أعيانٍ يرتشفون من السلفِ ‏ما يقيمون به على المجتمع الحجة، ويورّثون الخلف ما تقضتي به المحجّة". ‏
مشيرا إلى المراحل الصعبة وكيفية تعامل الشيخ الراحل عبد الخالق معها ومَا قاساهُ يومذاك "أهلُ جبلِ لبنانَ من مجاعةٍ قضتْ على نِصفِ ‏سُكّانِه، والانتدابِ الفرنسيِّ ومَا شهِدَه الجبلُ بعد إعلانِ دولةِ لبنانَ الكبيرِ منِ انفتاحٍ على حضارةٍ أجنبيّةٍ أنشأتِ الكلياتِ الجامعيةَ، وساهمتْ ‏بشكلٍ أو بآخرَ في تغييرِ العاداتِ والتقاليدِ، ممّا أسهمَ في التشددِ لدَى أهلِ الدينِ للحفاظِ عَلى المظهرِ في اللِّباسِ المتعارَفِ عليهِ، والتعاملِ معَ ‏المجتمعِ الذي أصبحَ يجنحُ نحوَ المظاهرِ الأجنبيّةِ البرّاقَةِ بالكثيرِ من التحفّظِ والانغلاق". ‏
ولفت الجردي الى "العلاقةِ الأخويَةِ الَّتي كانتْ سائدةً في الجبلِ بعدَ أحداث 1860م، وكأنَّه يرمِي بِما ذَكَرَه إلَى تذكيرِ النَّاسِ بَأَنّ الحياةَ لا ‏تَكْتَمِلُ إلاَّ بالمحبَّةِ والاحترامِ المُتَبَادَلِ بينَ مكونَاتِ الْمُجْتَمَعِ لأَيِّ فئةٍ انتموا". مشجّعُا على اقتناءِ الكتاب، لأنّه "يعودُ بنا إلى القيمِ التوحيديةِ ‏التي جعلتنا نحافظُ على وجودِنا الإنسانِيِّ".‏

اما الشيخ عماد فرج فتوقف عند خواطر الشيخ عبد الخالق الشريفة، لإعلاء شأن النهج الديني وتوقف عند ملاحظتين هما: البيئة التوحيدية أو ‏المعروفية ومنصب مشيخة العقل الرفيع على رأس الطائفة التوحيدية. وقال: "ما أحوجنا في هذه الأوقات إلى الرجوع إلى تراثه وتعاليمه ‏والاقتداء بها، لنسلم نحن وأبناؤنا ومجتمعنا ونقف سدًا منيعًا في وجه كل من يحاول تهديم ثقافتنا وتشويه تاريخنا وتلويثَ معتقداتنا وكسرَ ‏رمزيةِ أعلامِنا ودعاتنا ومعلمنا الأكبر سيدنا الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي".‏
واذ استهجن فرج كلام الذم والقذف و"استعمال التقنياتِ الحديثة في التشهير والرد على السفهاء والشتامين، وأصبح المقربون يتعامون عن ‏الحق لأجل مصالح شخصية وآنية"، دعا "من يعنيهم الأمر للترفّع عن الأنانيات الخفية والظاهرة، ولنعد إلى نفوسنا ونوقظها. ولكل ربان ‏سفينة كبيرة أو قارب صغير، إذا كان في السلك التوحيدي أو أي سلك آخر، أن يرعى شؤون سفينته أو قاربه، ولا ينتهي عن الواجب الذي ‏ارتضاه لنفسه، لأننا كلنا مطالبون عاجلاً أم آجلاً". ‏
ورأى ان "الخطر الكبير أننا نرى سفينتنا الكبرى تغرق، والربان أو الربابنة لا يشعرون بالخطر ويقولون إن سفينتنا في أمان. نرجو ممن هم ‏قدوتنا في الحياة، أن يكونوا قدوة في حل الأزمات الاجتماعية والدينية وغيرها، عن طريق حسن التدبير والليونة وحسن الظن وبالخير ‏والتوحيد". ‏

مؤلف الكتاب الشيخ يحيى عبد الخالق شكر الحضور وفي مقدمتهم سماحة شيخ العقل على الرعاية وقراءته النقدية للكتاب قبلَ طبعِهِ، ‏وكلمتِهِ المباركةِ وتوجيهاتِهِ القيمةِ وعلى رعايتِهِ هذهِ المناسبة وحضورِهِ، وشكره للمتكلمين والحضور. قائلا: "جاء الكتاب في رحابِ سيرةِ ‏ونهجِ سيدِنا الشيخِ أبي فارس محمود عبدِ الخالقِ ليفتحَ أمامَنا بابًا للتأملِ في العلاقةِ بينَ العلمِ والعملِ، وبينَ تزكيةِ النفسِ وخدمةِ المجتمعِ، ‏وبينَ المرجِعيّةِ الدينيةِ والمسؤوليّةِ الأخلاقيّةِ والاجتماعيّةِ. فمكانةُ الإنسانِ لا تقاسُ بموقعِهِ وحدَهُ، بلْ بما يترجِمُهُ منْ علمٍ إلى عملٍ، ومنْ ‏إيمانٍ إلى سلوكٍ، ومن مسؤوليّةٍ إلى خدمةٍ للناسِ. هذهِ في نظري هيَ العبرةُ التي ينبغي أنْ نبحثَ عنها حينَ نقرأُ سيرَ السلفِ".‏
وتمنى أنْ يكونَ هذا "الكتابُ حافزًا لشبابِنا على الاهتمامِ بتاريخِهمْ، والبحثِ في سيرِ رجالاتِهمْ وتجاربِ مجتمعاتِهمْ. وأقولُ لهمُ: اقتربوا منْ ‏تاريخِكمْ واسألوا كبارَكمْ واستمعوا إلى رواياتِهمْ، وابحثوا في الوثائقِ والمخطوطاتِ والصورِ، واجعلوا منْ هذهِ الشواهدِ مادّةً لأبحاثٍ تحفظُ ‏ذاكرةَ مجتمعاتِكمْ وتَنْقِلُها إلى الأجيالِ القادمة".‏
وختم: "إذا كانَ الماضي يمنحُنا جذورَنا وهويتَنا، فإنَّ وعيَنا بهِ ينبغي أنْ يعينَنا على فهمِ حاضرِنا والإسهامِ في بناءِ مستقبلِنا". ووقع عبد ‏الخالق للحضور كتابه البحثي الجديد.‏

زيارة المقام
وكان سماحة الشيخ ابي المنى زار قبل ذلك مقام سيدنا الشيخ أبي فارس محمود والشيخ ابو محمود سليمان عبد الخالق في مجدل بعنا على ‏رأس وفد مرافق من المشايخ.‏
كما قدم التعازي في منزل الراحل ابو هيثم رفيق سلمان عبد الخالق.‏