المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الاثنين ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٨ - 3 ربيع الأول 1440
رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن لمجلة لضحى العدد 25

2018-09-05

الزمن...
فرصة لاكتساب الزاد
الزمن ركن من انتظام الكون. والحياة هبة من الله لعبيده وفرصة لاكتساب الزاد. وقديماً قيل الوقت من ذهب ان لم تقطعه قطعك، ورأسمالك هو عمرك. جاء في كتابه الكريم:" من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".
وسواء كان العام ميلادياً او هجريا،ً يبقى لكل امرىء امنيات دون ان ننسى قول الشاعر: 
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
أمنياتنا لمجتمعنا ولوطننا ولعالمنا: 
- أن يمن الله على مجتمعنا بنخبة كافية من أصحاب القدوة الصحيحة في التوجيه والتعليم والتدريب سواء في البيت او المدرسة او المجتمع، فلا نستطيع تربية اولادنا على خلق قويم ما لم نكن نحن على مثله. ولا ان نعلّمهم حسن المعاملة الذي هو من جوهر الدين في حين لا نحسن تعاملنا امام الغير. والقدوة الصالحة في العبادة فريضة على ملتزميها قبل الآخرين. وقال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك اذا فعلت عظيم
وأول أهداف التربية بناء الشخصية السويّة للناشىء الذي هو كيان انساني برسم المستقبل. إن عامل التوازن الداخلي هو من اهم المكونات للفرد في مواجهة الحياة وتقلباتها. ولكن، كيف السبيل لتأسيس التوازن؟ إن التهافت الخلقي لا يُعالج بالوعظ فقط، بل بتثبيت أواصر الكنف العائلي بالألفة والتفهّم والتفاهم وتبادل العلاقات الواعية، وأيضاً بالتعاضد الاجتماعي عبر قيام الفعاليات والمؤسسات والجمعيات بالدّور الحضاري المتعدِّد الأوجه، بانفتاح رشيد على هواجس الأجيال الصّاعدة وهمومها بعيداً عن ترسّبات العصبيّة والفئويّة، وبالمثابرة على بذل الجهود المضاعفة حفاظاً على كلَ ما من شأنه أن يُبقي أنوار المُثُل العليا مضاءة في القلوب والعقول.
إننا نرى إنّ الخطر الاكبر الذي يُهدِّد الاسرة هو التفكُّك، وأكثر تجليّاته وضوحاً هو الطلاق. لقد تكاثر هذا الحلال البغيض الذي نحذّر من التمادي به. كما نطالب بتسهيل التكاليف المادية التي تفرضها مراسيم الزواج.
- أن يمنّ الله على وطننا بالعيش الواحد والامن والاستقرار فنحن ندرك هويتنا الحقيقية كأبناء بلد جمعتنا فيه أقدارنا، وبرغم كلّ الصعوبات حقّقنا صيغة العيش فيه، وظلّلتنا امارة الجبل عبر مئات السنين، بنينا عبره وطناً جميلا، وإمكاناً حضارياً، بل حلماً عشناه كان لبنان فيه درّة الشرق، وأمل النهضة الموعودة التي أضاء أنوارها كلّ بنيه.
وقدرُنا أن ندخل مصهر النّار نتيجة صراع الأمم، لكنّ قدرنا أيضاً أن نجدّد العهد، وأن نستلهم العبرة العظيمة التي يقدمها لنا تاريخنا، وخاصيَّتُها أنّه بوحدتنا، وارداتنا الجامعة، وميثاقنا الوطني، نصون لبنان، وندرأ عنه رياح الفتن والويلات. وهذا هو اليوم استحقاقنا كي يكون لنا الوطن.نعم، أن نعود الى الله سبحانه وتعالى، وكلُّنا يقدّسه بإرثٍ هو من عين الحضارة الانسانية وينابيع خيرها. فكم من ردّ فعلٍ على رزيئة أصابتنا سمعنا صوتَ المؤذّن وقرعَ الأجراس متلاحمَين. وكم من مناسبة تجمع شمل اللبنانيين في الافراح والاتراح كلٌ يحترم الآخر ويقدّر الأصول. فعلينا ان نكرّس الاحترام والمحبة بين مختلف مكونات هذا الوطن.
- وأخيراً نسأل الله تعالى أن يرزقنا في بصيرتنا الالتزام بحدوده كي يليق بنا العروج في المرقى الإنساني الأكمل. فجديرٌ بالمرء أن يتساءل عن مآل هذا العالم المعاصر المفتخر بما حقّقه في حقول العِلم والسِّياسة والفنون. تساؤل يعمُّ النتائج في كلّ مناحيها، خصوصًا الأخلاقيَّة منها، إذ أنَّ الانجازات الكبرى، إنْ أردنا الحقيقة، تحقّقت لصالح تجّار الأسلحة والادوية والاحتكارات الكونيّة لمصادر الثروة والطاقة وغيرها. لقد انعكس هذا حتمًا على كلّ ثوابت التراث القديم المتعلّق بالكرامة الإنسانيَّة، وأشدّه فتكًا الانحلال الأخلاقي، وتزعزع مفهوم الأسرة، وسهولة انزلاق الدول في نزاعات يذهب ضحيّتها مئات الآلاف من البشر، مقابل عجز المجتمع الأممي عن فرض إرادةِ الحقّ الإنساني في الحياة والحرية والكرامة. ويقيننا المترتِّب عن إيماننا بالله العليّ القادر، أنَّ الرّسالات السماويَّة قدّمت في الأصل، حدودًا تحفظ للإنسان حقوقه الأساسيَّة، وأنَّ تعامي التقدُّم التقني المحكوم بالجشع وشهوات التسلُّط، أدَّى فيما أدَّى إليه إلى الاستهتار الشنيع بكلّ تلك الحدود. وإنْ أنصف المرءُ في حكم ضميره، لأدرك أنَّ كلّ المآسي التي تُضرَبُ بها الإنسانيَّة هي ناتجة عن تجاوز الحدود التي أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون رادعًا للشرور، وحفظا لكلّ وجوه الخير.
}وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ {( الطلاق 1)
بتاريخ 5/9/2018