المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الاثنين ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٨ - 3 ربيع الأول 1440
رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن لمجلة الضحى العدد 24

2018-07-02

﴿وَ مَا يَنْطِقُ عن ِ الهَوى﴾
إنَّ أقلَّ ما يُقال في مسألة "الإدلاء والتَّصريح بالرأي" فيما يتعلَّق بتراث الموحِّدين خارج إطار قواعد العِلم في المنهج ومعرفة الأصول، إنَّها الفوضى العبثيَّة. وما يساهمُ في مفاقمة هذه الفوضى إلى حدٍّ غير معقول هو الإمكان المُباح لارتكابِ هذه الموبقات عبر وسائل التواصُل الاجتماعي، وعبر الخفَّة التي ينزلقُ إليها بعضُ العاملين في "الميديا" سعياً إلى ما هو فعلا "قـفشة" تدعو إلى الرّثاء.
ترتبطُ مفاهيمُ التُّراث بتراكُمٍ معرفيّ عريق له جذور عميقة في علوم التاريخ والاجتماع واللغة والفقه والفكر بكلِّ حقولِ اهتماماته، ولا نقولُ إنَّ المعرفةَ موقوفةٌ على العُلماء وحسب، بل غاية القصد التأكيد على وجوب الإلمام بالحدّ الأدنى من مقوِّمات تكوين الرأي السليم، سواء أكان ذلك في التوضيح أو في النقد، كي لا يخرجُ الأمرُ إلى مهاوي التَّضليل والسفسطة، وهي مهاوٍ وخيمة ومؤذية، أوَّلا لذاتِ القائل، وثانياً لوعي المتلقّي خصوصاً إنْ كان مبلغُ عِلمِه في الموضوع نزيراً لا يُمكِّنهُ من المَـيْز.
ولا يتورَّعُ البعضُ عن كتابةِ رأي في "صفحتِه" على الشبكة، أو تعليقٍ هنا وهناك، بشكلٍ جازم يوحي بأنَّهُ متربِّعٌ على "كرسيّ المعرفة" أو عالِمٌ بحقائق الأمُور، وجلَّ ما في الأمر أنَّ الكلام المكتوب ناتجٌ عن مجرَّد انفعالٍ نَزِق لا أساس له في الموضُوعيَّةِ، ولا ركيزة له في المصادر الموثوقة. والأهمّ من كلِّ هذا انعدام الرؤية التي يجبُ أن يكوِّنَها في الأصل اطّلاعٌ واسع، وبحث دقيق، ودرس متعمّق، واستبصار عقلانيّ رصين، ومعرفة عِلميَّة بالتراكُم المعرفيّ بأصُول التراث الخ. ولكن، ما نجدُه هو انطباعات عاجلة، وأحكام لا يُمكن تصنيفها إلا في باب السفسطة عبر النقد المنهجيّ السليم. وترانا قائلين: لا حول ولا قوَّة إلا بالله العليّ العظيم.
ويتعمَّقُ الالتباسُ، بل تزدادُ الفجْوةُ بين القارئ والحقيقة، حين يتعلَّقُ التأليف بإصدار كتابٍ في مواضيع التراث فكراً وتاريخاً وتأويلات تلفيقيَّة يستلُّها "الكاتبُ" من دفق المعلومات المتوافرة، ويراكمها بعشوائيَّةٍ في غياب المؤهَّل الأكاديميّ ومنهجيَّاته الدقيقة في كلِّ حقل معرفيّ. سواء كانت هذه "المنشورات" صادرة في عقودٍ ماضية من "كتَبَة" يقرُّون بعدم اختصاصهِم العِلميّ، وبافتقارهِم إلى الاختبار الرُّوحيّ المسلكيّ، وباعتمادِهم على قراءات متعدِّدة، وتفسيرات هي في واقعها "شخصيَّة" مفتقرة إلى العُمق الثقافي المطلوب، والمعالجة الموضوعيَّة السليمة. او التي تصدر حالياً وتظهر بوضوح "الأنا" لكاتبها، والنتيجةُ الوحيدة لأعمال هؤلاء هي المزيد من التوغُّل في متاهات الضياع. والانطباعات التي نسمعها من هنا وهناك عنهم وعن "كتاباتهم" تؤكِّدُ لنا سوء الحال وبئس المقال. ويؤسفني بأن أؤكِّد أن بعض النشاطات التي تُـقامُ في هذا المنتدى أو ذاك المُلتقى لا يعدو كونه ترويجاً –عن قصد أو عن غير قصد- لهذا الخطَل (ولا أجدُ تعبيراً عن هذا الواقع سوى هذا الوصف). 
إنَّنا، ومنذ تولِّينا لخدمة المسؤوليَّة الدقيقة لمهامنا، توخَّينا في كلِّ مناسبةٍ، وفي كلِّ كلمةٍ، وفي كلِّ موقفٍ، وفي كلِّ مشاركةٍ في المؤتمرات (عبر ممثـلينا)، وفي كلِّ تصريح (تحديداً في باب التراث التوحيديّ)، أن يكون نسيجُ الكلام معبِّراً عن ثوابت الأصُول، وانعكاساً صادقاً لحقائق المأثور وفقاً لأسانيد الكبار من مرجعيَّاتِ الأعراف القديمة، ومسالك السَّلف الصالح التي يمثّـلُها بدقَّةٍ الأميرُ السيِّد التنوخيّ الجليل.
ونودُّ أن ننبِّهَ الرأيَ العام، والمعروفيِّين خصوصاً، إلى الأهميَّة القصوى لاجتناب هذا النفق المظلم من الالتباسات والتأويلات البعيدة عن منطق العِلم ومصداقيَّة المعرفة. ونؤكِّد على الملأ أنَّنا براء من كلِّ من يعتمدُ "الرأي والقياس" وفقا لمسوِّغات المزاج والعبث، ومن كلِّ تـلفيق ومغالطات تُطرحُ على الشاشات وغيرها وهي في الواقع لا علاقة لها على الاطلاق بالحقيقة التي لا بدَّ من البحث عنها بتواضُع وأناة وصدق ونزاهة وعقْـل وثبات، ليس فقط بتداول المعلومة، بل بإحياء القلبِ بحُبِّ الفضيلة في ذاتها بلا غايات سوى التحقُّق الإنسانيّ الأرفع.
نحن نقاربُ، في كلِّ ما يمسّ جواهرَ "التراث الأثيل"، مقاربةَ الذي يستذكرُ على الدوام ما قالته الآيةُ الكريمة من سورة النَّجم ﴿وَ مَا يَنْطِقُ عن ِ الهَوى﴾، والهوى هو الميْل مع نوازع النَّفس الأمَّارة إلى ما ينزغُ في ماهيَّتها من العنادِ والشهوة من دون التقيُّد بما يقتضيه الحقّ والعقل السليم. كما نستشعرُ، سائلين الله تعالى التوفيق، وصايا السَّلف الصالِح وفي رأسها أنَّ التقوى تجمعُ كلَّ خيْر. ﴿وتَزَوَّدُوا فإنَّ خيْرَ الزَّادِ التَّــقوَى وَاتَّـقُونِ يَا أُولي الألباب﴾ صدقَ الله العظيم. 
بتاريخ 2/7/2018