المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الخميس ٢٤ أيّار ٢٠١٨ - 9 رمضان 1439
رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن لمجلة الضحى العدد 21

2017-11-28

ترشيد النفوس مع تعديل النصوص
إنّ طبيعةَ الاعتقاد الإيمانيّ التي تتميَّزُ بالثباتِ يجبُ أن تكونَ دافعاً إلى مواكبةِ الأوضاع المعاصِرة، عقلاً واجتهاداً حميداً، نحو تحوُّلات الواقع ومؤثّراتها في كافَّة الحالات الاجتماعيَّة.
موضوعان جديران بالاهتمام اليوم في المجتمع: رفع سن الحضانة، وجعل الابنة عصبة بنفسها إذا انفردت في الميراث. هذا التطور في انصاف البنت إذا انفردت او البنات عند انفرادهن هو الإنجاز الأفضل والأقرب إلى ميزان السَّويَّة بالمعنى الحقوقيّ العادل. أمّا رفع سن الحضانة فإننا نحذّر من استعمال مضمون القانون تعسفاً بعيداً عن روح الاعراف والتقاليد الاصيلة ومبادئ التآلف والتحابب وغاية الزواج التي هي شرعة من شرائع البقاء.
إنّ المهمة الأساسية التي اعدّتها الحياة لكل فتاة هي ان تكون " أمّاً، ربّة بيت". وهو دور طبيعي لا يستطيع أحد ان يبدّله، كما لا يبدّل الصدق بالكذب والخريف بالربيع، وهي المهمة التي يجب ان تعدّ كلّ فتاة نفسها من اجلها، ولا نقصد بقاء المرأة ضمن منزلها لواجباتها البيتية كالطبخ وغيره ... بل ان تكون " أمّاً، ربّة بيت" سواء عملت طبيبة او محامية او مدرّسة... او موظفة عادية. وبرأينا ان هذا اللقب يهتزّ عرشه إذا أصبحت فيما بعد مطلقة.
إنَّ رفع سنّ الحضانةِ يأتي من بابِ تقدير "الأمومة" ودورها الذي يقتضي من بابٍ أوْلى الحرص كلّ الحرص على حفظ كيان الأسرةِ وألفتها لأنه الضمانة الأغلى للتربيةِ السليمة وسلامة العائلة في مسارها الحياتي حاضرا ومستقبلا. والنظر إلى الطلاق بأنَّه "بغيض" وذي عواقب غير سليمة من عدَّة وجوه. ولا يجوز بأيِّ حالٍ من الأحوال اعتبار التعاطُف مع الأمومة في هذا التعديل مؤشِّراً لاستسهال الطلاق، وعاملاً من عوامل اتّخاذ خِياره ( دون ان ننسى عدم جواز رجوع المطلقة). وهذا يدفعُ بنا إلى طرح قضيَّة المسؤوليَّة في الإقدام على الزواج، وضرورة مقاربته بالوعي والتأنِّي والفهم الكافي للوقائع واستحضار العقل للحدِّ من سلطان العاطفة في هذه الخطوة المصيريَّة.
هذا من شأنه الحثّ على اغتنام فرصة الخطوبة لتسبق المصارحة الصادقة والتفاهُم المشترك بحُسن نيّة وإدراك واقع المستوى المادي قبل خطوة إجراء العقد. يدفعنا إلى هذا القوْل معرفتنا الوافية بأسباب حدوث التصدُّع العائلي والخلافات المؤدية إلى الطلاق الذي تتصاعد وتيرتُه في السنوات الأخيرة لأسبابٍ شتَّى. 
أمام هذا الواقع، نجدُ أنفسَنا في مواجهة الأحوال العامَّة التي تساهمُ إلى حدٍّ كبير في ازدياد حالات الفشل الأسريّ. ولا بدَّ من التذكير بالأصُول المتعلِّقة بالسلوك الفردي والاجتماعي التي من شأنها المحافظة على النواة الأولى للمجتمع المستقرّ وهي "سلامة الكنف العائلي" وثباته في وجه مصاعب الحياة. إنَّ القليلَ من الثقافةِ الحقيقيَّة ينبِّهُنا إلى أنَّ الفهمَ السطحي المنفعل لما يُسمَّى "موجة التّحرُّر" هو الخطوة الأولى نحو المنزلق الوخيم. إنَّ مشاهد البذخ والاستهتار بالقيَم الراقية لطبائع الحشمة والحياء والرصانة، خصوصا فيما يتعلَّق بالأزياء التي يقع عليها خِيار الشابَّات وغيرهنَّ، هي من جملة الأسباب المحبِطة للتدبير الحكيم. ولا يجوز لنا التسليم بالتقصير في وسائل الإرشاد والتربية والتوعية في هذا المجال. إنَّ لهذه الوسائل ثقافات واسعة ومعمَّقة، في التقاليد الشريفة، وفي التراث العام، وفي الثقافة العالميَّة التي كثيرا ما يتمّ إغفالها لصالح النزوع نحو اللهو والمتعة والقشور الفارغة.
ما نودّ أن نتوقَّف عنده الآن هو التذكير بالقضيَّة الأساسيَّة المتعلِّقةِ بوازع النّفوس وأسبقيّـته على النصوص. إنَّ دورَ المجتمعِ أساسيٌّ في هذا المجال، بفعاليَّاته المتنوِّعة، وبالجمعيَّات والنوادي في كلِّ القرى. إنَّ المطالبة بالنهوض الحضاريّ يتطلَّبُ المتابعة والمثابرة في عملٍ حقيقيّ مُثمِر متعلِّق بترشيد المناخ الاجتماعي العام. عمل مرتبط بالقيَم التي بها قامت الحضارات الإنسانيَّة على مرِّ العصُور، قيَم الاعتدال والاستقامة والفضيلة. قيَم العائلة والغاية من وجودها في التربية السليمة وبناء الشخصيَّة المعنويَّة لتكون أساساً متيناً قويّا قادراً على تحقيق الخير في الذات وفي المجتمع. قيَم الأمومة بمعناها الأنبل المرتبط بغاية الوجود. وإن كانت بهارجُ العصر قد أوهمتْ الكثيرين بأنَّ هذا البيت الشعريّ قد خَبَت نارُه بالتكرار، لكنَّه في الحقيقة ما زال محتفظاً بمعناه لقلب كلّ لبيب: 
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعدَدْتَ شعباً طيِّبَ الأعراقِ.