المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الجمعة ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٧ - 29 محرم 1439
 كلمة سماحة شيخ العقل الشيخ نعيم حسن لمناسبة راس السنة الهجرية اول محرم 1439

2017-09-20

 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبييه المصطفى محمد سيِّد المرسَلين، وآله وصحبه أجمعين، إلى يوم الدِّين
 
نحمَدُهُ تعالى على نِعمةِ الإيمان التي هي نعمةٌ لو خلُصَت في القلوبِ لوجهِه عزَّ وجلَّ لتغيَّر وجهُ الأرض كما حدَث لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين هاجرَ إلى يثرب، وقامتْ بالهُدى دولةٌ تبدَّد بها ظلامُ الجهْل، وتبدَّى بها نورُ المعرفةِ والرَّحمة. ولهذا كان هذا اليومُ محطَّةً في الزمان فاصلةً بينَ عَهدِ الجاهليَّةِ وبينَ عهْدِ الإسلام. بين عصْر القبائل يغزو بعضُها بعضاً ولا حدَّ بينها سوى حدّ الغريزة الجامحة نحو الغَلَبةِ والقوَّة، وبين عصر الأمَّةِ التي يتعارفُ بها كلُّ النَّاس بكلِّ النّاس، وحَدُّهُم حدُّ التَّقوى، وحدُّ الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن الـمُنكَر.
إنَّ ما يذخُره الإسلامُ بكتابهِ العظيمِ من معانٍ ساميةٍ مُثْلى، من مقاصدِها الجوهريَّةِ تحقيقُ الإنسانيَّة بوحدتها ظاهراً في السلوكِ والأعمالِ، وباطناً في الاعتقاداتِ والنوايا، هو الأمانةُ التي يلتزمُها المؤمنُون بإخلاصٍ وثباتٍ لا يحيدون عنها مهما عصُفت بهم حوادثُ الأيَّام. ويَروْن في الجنُوحِ بروحِ السَّماحةِ في الدِّين الحنيفِ نحو شتَّى وجُوهِ الغلُوِّ والتَّطرُّف هو جنوحٌ يستَتْبعُ عواقب وخيمة. وحين يتبصَّرُ المخلصُ في مآلِ الأوضاع، ولا يجدُ فيها إلاَّ ذرائع للقوى المتسلِّطةِ في عالمنا من أجل تكريس نفوذِها، وفرضِ المسارات التي تؤمِّنُ لها مصالِحها في المدى البعيد، وتمكِّنُها من إعادة النَّظر في الخرائط عبر خطوطٍ لا تُرسَم هذه المرَّة فوق الرِّمال، بل بدماء الشُّعوبِ وخرابِ العمران.
علينا أن نتوجَّه بالابتهالِ إلى الله العليّ القدير أن ينوِّرَ بصائرَنا إلى ما فيهِ جمع الشَّمل، ورصّ الصفوف، والتكاتُفِ، وإقامة الحوار سبيلا إلى الحلول التي فيها مصلحة أوطاننا. والمضيّ قدُماً في منطق التفاهُمِ والمعالجة نحو تحصين الدَّاخل، وتفعيل آليَّات عمل المؤسَّسات، والتّضامُن حول جيشِنا الشجاع الذي قدَّم المثالَ على المناقبيّة العالية، والتطلُّع دوماً إلى ما فيه المصلحة الوطنيَّة العليا لحماية المنجزات الوطنية وفي طليعتها اتفاق الطائف ومندرجاته والمصالحة الوطنية والعيش الواحد. ولكي يتحقق كل ذلك المطلوب إدارة وإرادة وطنية صرفة تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.
إنّ ما تمرّ به البلاد في هذه الأيام يدفعنا الى التحذير من مغبّة ترك الأمور تدار بطريقة التعامي عن المشاكل بدل علاجها بشكل حقيقي لا سطحي، فأحوال الناس وشؤونهم ومعيشتهم ليست بالحد الأدنى المقبول، ومقاربة الملفات الأساسية تتم بأساليب لا توحي بكثير من الثقة التي أفتقدها المواطن أساساً بدولته والمطلوب إعادتها بما يكفل بقاء العقد الاجتماعي الذي نشأ عليه وطننا لبنان.
ونحنُ نجدِّدُ إيماننا بلبنان بكل مكوناته الوطنية، وبكل ما يعنيه من فسحة انسانية للعيش الواحد بحرية وكرامة، داعين كلّ اللبنانيين إلى الارتقاء بوطنهم إلى مستوى الإمكانات الحضاريَّة التي يختزنها عبر التاريخ بعيداً عن كلِّ ما يسيءُ إليها.
نسأل الله تعالى أن يعيدَه على وطننا بكلِّ خيْر، وان يمنّ على الجميع بوافر الحكمة والتبصر لمنع انزلاق الأمور وصون الوطن ضد كل التحديات ورد كل أشكال العدوان عنه وأخطرها من العدو الصهيوني، وأملنا ان تنعم أمتنا العربية والإسلامية بقسطها من الأمن والسلام بكلِّ مقوِّمات العدْل والأخوَّة، إنَّه هو الكريم الرحيم.