المجلس المذهبي | مجلة الضحى
الثلثاء ٢٢ آب ٢٠١٧ - 29 ذو القعدة 1438
 كلمة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن في مؤتمر جامعة سيدة اللويزة 1/7/2017

2017-07-01

بسم الله الرحمن الرَّحيم
الحمدُ لله ربّ العالَمِين، والصَّلاة والسَّلامُ على نبيّه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلّم، وعلى آلِه وصحبه الطيّبين، والصلاة والسلام على كافة الأنبياء والمرسلين
الحفل الكريم
 
جميلٌ أن يُنظرَ إلى الثمرةِ المرجوَّةِ من هذا اللقاءِ الطيِّب على أنَّها "مُلاقَـاة"- وهي الكلمة التي تضمَّنتْها الدعوةُ إلى هذا المؤتمر. فالملاقاةُ هي رؤيةُ الآخَر، والتقدُّمُ صوْبَه، وفي "لقائنا" الراهِن تعني الاتّفاقَ معه، بل والمضيَّ قدُمًا في الحوار على قاعدةٍ مُشترَكةٍ واضِحة ترقى إلى مقامِ "عهدِ أخُوَّة" و "عقدٍ مستَأنَف بين المواطنين" كما ورد حرفيًّا في نصِّ "إعلانِ الأزهر للمواطنةِ والعيشِ المشترك" الّذي أُعلِن من "أرضِ الحضارةِ والعهُود" مصر. وهو الإعلانُ الّذي نلاقيه اليوم هنا، في "بلدِ الرِّسالة الإنسانيَّة" لبنان، مؤكِّدين للعالَم أنَّ الأصالةَ الرُّوحيَّة المتجذِّرةَ في الشَّرقِ هي حيَّةٌ في صدُور أبنائه الناهِلين من ينابيع المعرفةِ الحقَّة، المتبرِّئينَ من كلِّ افتراءٍ وتدليس في استخدام مغلوط ومشبوه للمفاهيم الدينيَّةِ التي نربأُ بها عن كلِّ فِعلٍ مُدان بمعايـير القيَم والمبادئ التي هي جوهر لقائنا الميمون.
إنَّها لحظةٌ من تاريخٍ مضيءٍ لنا جميعًا، على اختلافِ أديانِنا ومذاهبِنا، أن نجتمعَ في هذا المكان "سيّدة اللويزة"، عائلةً روحيَّةً إنسانيَّةً يُشرِّفُنا فيها حضورُ الأزهر الشَّريف بما يعنيه هذا الحضورُ من كلِّ المعاني الحضاريَّةِ النهضويَّةِ التي تختزنُها رسالتُه إلى عالمِنا المُعاصِر في زمنِنا الراهن. نحملُ أمانةَ الضَّمير الإنسانيّ، نُلاقي بعضُنا البعض في نُور الرَّجاء والأمل والتَّطلُّع إلى ما يستحقُّه عالَمُنا، بل ما تستحقُّه شعوبُ عالَمِنا. حاملين رسالةَ الالتزام بحقوقِ الإنسان وحرِّيتِه وكرامتِه. 
إنَّ المسارَ الذي اختطَّه الأزهرُ الشّريفُ في السنواتِ الأخيرةِ خصوصًا، هو بمثابةِ نبراسٍ مُضِيء في العالم الإسلامي اليوم، بل وفي العالم كلّه. ويزخَـرُ هذا النّهجُ بتراكمٍ سَنيّ من الإنجازات البالغة المشحونة بالكثير من المعاني والدلالات التي من شأنها أن تحدِّدَ سياقَ مجابهةِ محنةِ العبَث والتشويه والفوضى العاصفة بالمفاهيم الدينيَّة وبصورة الجماعة المؤمنة التي أرادها اللهُ سبحانه وتعالى - بل "جعلها" - ﴿أمَّـة وسطاً﴾.
وهذا المسار يتجاوزُ بشجاعةِ الإيمان، وصلابةِ الواثق بالحقّ، ليس فقط مسائل امتثال المعاني المطابقة لمقاصد الشَّريعة دحضًا لكلِّ انحرافٍ وغلوّ، بل وأيضًا للمضيّ قدُمًا في آفاق الأبعاد الحضاريَّةِ للإسلامِ السَّمح بما يمكِّنُ الإنسان من تصوُّر العالَم الحديث بواقعيَّةٍ لا تُخرجُه عن القيمِ الدينيَّة والأخلاقِ الحميدةِ، وبالتالي، عن الرُّوح الإنسانيَّة التي ما أتتِ الأديانُ إلا لتنويرها وهديها إلى سبيلِ التحقُّق الأرفع في الغايةِ الإلهيَّة التي بها كان هذا الإنسان "أشرف المخلوقات". 
إنّ تكريس مبدأ المواطنة، والخروج من عقدة الشعور الأقلويّ، والمناداة بالحرّية المسؤولة. إنّ هذه المفاهيم لا تخدمُ ظرفًا اجتماعيّا محدّدًا، بل هي تخدم الأمَّةَ ومستقبلَها في عالم اليوم، خصوصًا وأنَّ الطرحَ يرتكزُ على منهجيّةٍ يتوخَّاها كلُّ مخلص وهي "الجمعُ بين الأصالة والمعاصرة في الفكر الإسلامي، والحثّ على تآخي العقل مع النقل في فهم نصوص الكتاب والسنَّة".
إنّ المواطنة تتطلب الوحدة الوطنية لا الوحدة السياسية او غيرها. بل وحدة الايمان بالوطن، ووحدة المسلك المؤدي الى العزّة الوطنية، هذه الوحدة لها مقوّمات، في مقدّمتها وحدة الثقافة، ووحدة النهج في المدارس، من دور الحضانة الى اعلى الشهادات الجامعية، ووحدة الكتاب المدرسي في كلّ فروع العلوم والفنون، ووحدة التوجيه في كلّ مدرسة رسمية او خاصة. ومما قاله الأمير شكيب أرسلان في هذا المجال: " يفكّر الوطني في الأجيال القادمة، امّا السياسي فيفكّر في الانتخابات القادمة". إنّ نجاح هذا التلاقي الروحي يفرض وجود الدولةَ العادلةَ، بمؤسَّساتها الدّستوريّةِ القائمة على مبادئ الدّيموقراطيَّة والشورى واحترام الشّعوب هي التي من شأنها توفير كلّ الضمانات اللازمة في عصرنا هذا لحمايةِ النَّاس وإطلاق كلّ الإمكانات التي توفِّرُ لهُم متطلِّبات العيشِ الحرّ الكريم في غدٍ أفضل، تُصبِحُ فيهِ أولويَّاتِ أنظمةِ الحُكم المحافظةَ على مفاهيم الحضارة الإنسانيَّة الأرقى، وتخصيصَ الاعتِماداتِ الكبرى في الموازنات من أجل تحقيقِ السَّلام، ونشرِ المعرفة، وبذلِ الخيْر لدفعِ مسيرات التنمية والازدهار إلى الأمام. 
لنا أن نفخرَ في لبنان بهذه "الملاقاةِ" يدعو إليها "بطريركُ إنطاكية وسائر المشرق"، وتلاقيه فيها العائلةُ الروحيَّة اللبنانيَّة التي طالما اتّفق قادتُها على مبادئ العدل والحوار والسلام والعيش المشترك وحصانة الدولة ومؤسَّساتها الدستوريَّة واحترام مفهوم المواطنة المرتبط بحقوق الإنسان وحرّيته. 
إنَّنا نشدُّ يدًا بيَد، ما نمثّله في لبنان وفي غير لبنان، وما يمثّله الأزهرُ الشَّريف العريق في العالم الإسلامي وفي العالَم، والدور الكبير لقداسة البابا وحاضرة الفاتيكان. وقلوبُنا مؤتلفةٌ على ما يتضمَّنهُ كلُّ إعلانٍ في هذا المجال المذكور من مبادئ، برجاء أن تتآزرُ الجهود في تعميقِ وتكريسِ هذه النصوص، قلبًا وقالبًا، وأن تكونَ للسِّياسةِ خميرةً صالحة وبرَكة لخيرِ الدول والشعوب، نسألُ اللهَ العزيزَ الحكيم أن يسدِّدَ خطانا ومساعينا في كلِّ خيْر، إنَّه هو السَّميعُ المُجيب. 

بيروت في: 1/7/2017                  
*************