المجلس المذهبي | مجلة الضحى
السبت ١٩ آب ٢٠١٧ - 26 ذو القعدة 1438
 كلمة رئيس اللجنة الدينية الشيخ هادي العريضي في لقاء عبيه

2012-11-03

 بســـــــم الله الرحمــــن الرحيــــم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى الانبياء والرسل أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين   أصحابَ السماحة والسيادة والفضيلة، ألآباءُ والشيوخُ المحترمون، الأخوةُ والأخوات، السادةُ والسيّدات، أيُّها الحضورُ الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنه لمن دواعي سروري أن أكون بينكم اليومَ في هذا اللقاء المُعبِّر، ناقلاً إليكم تحيات ومباركة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن، ومرحِّباً بكم في بلدتِنا جميعًا عبيه (التي هي ضمن الرعاية الروحية لسيادة المطران بولس مطر) في هذه المنطقة العريقة من جبل لبنان، مقدّرين لمؤسسة أديان نشاطَها الجامعَ وإحياءَها السنويّ لهذا اليومِ التضامنيّ، بمباركة المرجعيات الروحيّة الكريمة، بِمَن يُمثلُها، مع اللجنة الثقافية والمصلحة الدينية في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدينَ الدُّروز ورهبنة الآباء الكبُّوشيين وبلدية عبيه، ولكم جميعاً حضورَكم ومشاركتَكم، لما تعنيه هذه المناسبةُ لنا وللجبل من رسالةِ محبةٍ وتضامنٍ وأُخوّةٍ ووطنية. صحيحٌ أننا نقفُ فوق رماد التَّاريخ، لكنَّ باستطاعةِ عيونِنا أن ترى زنابقَ الحقل، وأزهارَه اليانعة، وخضرةَ شجرِه المتجدِّدة عندَ كلّ فجر، فالثلوج المُتراكمة لا تُميت البذور الحية. إن اختيار عنوانِ يوم التضامن الروحي لهذه السنة: "معاً في سبيل العودة إلى الله والذات والأرض" لهو أصدقُ تعبيرٍ عن مغزى هذا اللقاء، إذ أنّنا معنيّون جميعاً، وفقَ روحيّة مذاهبِنا وإيماننا، بالعودةِ والتوبةِ والسعيِ الدؤوب والعمل المتواصلِ الصادقِ الأمين من أجل تطهيرِ ذواتِنا والارتقاءِ بإنسانيّتِنا في عودتِها الصاعدةِ إلى الله، إذ هي الصورةُ الأنصعُ التي تُجسِّدُ تجلّيَ الحقِّ كلمةً مُنزَلةً، وتعكسُ النورَ الخالصَ على قدر صفاءِ الروحِ ونقائِها. نعم، أن نعودَ إلى الله سبحانه وتعالى، وكلُّنا يقدِّسُه بـإرثٍ هو من عين الحضارة الإنسانيَّةِ وينابيعِ خيرها. فكم من ردِّ فعلٍ على رزيئةٍ أصابتنا سمعنا صوتَ المؤذِّن وقرعَ الأجراس متلاحمَين. وكم من مناسبةٍ تجمعُ شملَ اللبنانيِّين في الأفراح والأتراح كلٌّ يحترمُ الآخرَ ويقدِّر الأصُول. إن الحكمة اللالهية شاءت أن يكون الناس رغم وحدة الخالق، ووحدة الخلق، أمماً وشعوباً مختلفة، ذلك ان الاختلاف مظهر من مظاهر روعة إبداعه في الخلق، قال تعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الانبياء 92]، كما جاء في القرآن الكريم: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم 22] يقول السيد الامير(ق): (الكل عيال الله). إن احترام الآخر هو احترام لمشيئة الله. فإذا كان لهؤلاء وجود فلأولئك وجود، وإذا كان لهؤلاء دين له حرمته فلأولئك دين له الحرمة نفسها.إن التضامن الروحي يستوجب الاحترام المتبادل ويستلزم التقدير المشترك ويدعو الى ان تتعارف الشعوب وتتقارب والتضامن الروحي يعني ان يحمل كل واحد، هموم أخيه وآلامه وآماله امام الله.كما قيل في الانجيل: (طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيٌدعَون، ابناء الله). وفي العودة إلى الذّات في أعماقها الحيَّة، أي إلى إنسانيَّتها التي لا يُمكن أن تكونَ وأن تتحقَّقَ في مواطنيَّتها إلاَّ جامعةً ما هي عليه وما هو الآخَر في المواطنيَّة عينها. وفي الذَّاتِ أصداءُ الضَّمير الَّذي تقضي بوجوب نقائه التَّعاليمُ السماويَّةُ كلُّها، وهيَ التي تتوحَّدُ فيها القيَمُ السَّامية، والمبادئُ الأخلاقيَّةُ الراقية، التي يجبُ أن تكوِّنَ الرُّوح المشتركَة لنا جميعًا، لا فضلَ لمواطن على أخيه في المواطنيَّة إلاَّ بمقدار التزامها وامتثالها وجعلها مسلكا حياتيّا ذاتيًّا واجتماعيًّا في الآن عينه. حبّذا لو نصرف العناية الى ما نحن عنه مطالبون، وعنه مسؤولون، وعلى تركه معاقبون، وعلى العمل به مثابون، وأن يكون السباق هو لله وحده سبحانه وتعالى. أن نعودَ بالطَّبع إلى الأرض، هذه التي أحببناها ورويناها وعاهدناها أن تكونَ الملاذ. والأرضُ تعمرُ بوحدةِ أبنائها، فإذا هبَّت ريحُ الشّقاق كان الخراب. هذا هو الدَّرس العظيم الذي توصينا به الأرض. ونحنُ نُدركُ هويّـتَنا الحقيقـيَّـةَ كأبناء بلدٍ جمعتنا فيه أقدارُنا، وبرغم كلّ الصُّعوبات حقَّـقنا صيغةَ العَيش فيه، وظلَّلتنا إمارةُ الجبل عبر مئات السّنين فيما يُشبه استقلالا ذاتيّا، بنينا عبرهُ وطنًا جميلا، بل حُلمًا عشناهُ، كان لبنان فيه درَّةَ الشَّرق، وأملَ النّهضةِ الموعودة التي أضاءَ أنوارَها كلُّ بَنيه. ومن الأمثلة البارزة لمتانة العيش المشترك في هذه البلدة العريقة، الخطوة الإنسانية النبيلة التي أقدم عليها الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي، حين أوصى لجيرانه المسيحيين من عائلة سركيس بقسم من أملاكه حصلوا عليها بعد وفاته. إنَّ هذه العودةَ بكلِّ وجوهها هي أمانةٌ في أعناقِنا، ليس من أجل مصالحِنا العابرة، بل من أجل أبنائنا وأحفادنا أن يذكرونا بالخير وهُم في حضن وطنٍ كريمٍ عرفنا أن نحفظه لهُم. فهل أجلّ وأسمى من هذا الفداء. أيُّها الأخوةُ والأبناءُ الأحبّاء، إنّ واقعَ بلادِنا والتّحدياتِ التي يُواجهُها اللبنانيّونَ وأخوانُهم في الجوارِ تفرضُ علينا التمسُّكَ الواعيَ بإيمانِنا، واستنباطَ القيَمِ والمساحاتِ المشترَكةِ في عقائدِنا وأخلاقيّاتِنا، ورفعَ مستوى عملِنا ونشاطِنا واندفاعِنا، لتأكيدِ التنوُّعِ في الوحدة، والاستفادةِ من تعدُّدِ انتماءاتِنا الثقافيّة وغِنى تراثِنا الروحيّ، وفي المحافظةِ على المكتسباتِ الوطنيةِ والاجتماعية التي تحققت على مدى قرونٍ وعقودٍ من الزمن، وذلك لا يُمكنُ أن يكونَ إلاّ بالتضامن والتفاهمِ وتغليبِ منطقِ الحقِّ على أيِّ منطقِ عداه، وبالعودةِ دائماً إلى النصِّ الديني لفهمِه بهذا المنطق الذي يُقرّبُ بين الناس ولا يُباعد، والذي يدعو إلى التعارفِ والتآلفِ، لا إلى التنابُذِ والتحاسد، كما توصينا الآيةُ الكريمة: "... وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لِتعارَفوا، إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم". إننا نُقدِّر جهود رؤساء الطوائف الروحية المسيحية والإسلامية، لوحدة اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم، ومطالبتهم بتقوية الانتماء الوطني، ثقافياً وتربوياً واجتماعياً وسياسياً. إننا نُحذر من قانون انتخابيّ يُكرِّس الانقسام الطائفي، ولا يحفظ التوازن الوطني. ألا بوركَ هذا العملُ الإنسانيُّ والروحيُّ والوطنيُّ والاجتماعيُّ، وبوركتُ المصالحةُ والعودةُ التي نُريدُها ناجزةً قويّةً قائمةً على الصدقِ والتعاضدِ والمحبّةِ والرحمة، بُورِكَتِ عبيهُ أرضُ الأميرِ السيّدِ المتميِّزةِ بغِنى التجربةِ الروحيّةِ التوحيديّةِ الإسلاميةِ والمسيحية، وبُوركَ الجبلُ قلبُ لبنانَ نموذجاً صالحاً متجدِّداً للوحدةِ والأصالةِ والتلاقي. معاً نُجدِّدُ الأملَ، معاً نفرحُ بالعودةِ، معاً نُنشِدُ، ومعاً نَدعي ونبتهلُ إليه تعالى أن تكونَ صلواتُنا ولقاءاتُنا وكلماتُنا وأعمالُنا خالصةً لوجهِ الحقِّ، وقويّةً بالحقِّ، وداعيةً دائماً إلى الحقِّ، لا إلى سواه.