المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الخميس ٠٢ نيسان ٢٠٢٦ - 15 شوال 1447
سماحة شيخ العقل: نحن طائفة مؤسِّسة ومتجذّرة في المنطقة وإسرائيل هي الخطر

2026-04-02

إستضافت مجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة عن
مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى في حوار شامل عن واقع الطائفة والمراحل المفصلية التي تمر بها راهنا، اجراها معه مدير المؤسسة الاستاذ رامي الريّس، ومساعد باحث في المؤسسة الاستاذ أيهم السهلي، ونشرتها على الشكل التالي.
 
نبذة مختصرة:
لا شيء في تاريخ الدروز، ولا في كُنْه فكرهم، يقود إلى الانقسام والانفصال. فتاريخهم دفاع عن عروبتهم الأصيلة، وعن عروبة المنطقة: من ثباتهم على الثغور، إلى مشاركتهم في صدّ الاعتداءات الخارجية وفي الثورات، بل حتى قيادة بعض تلك الثورات. وتسميتهم هي "الموحدون"، وهي في حدّ ذاتها تكفي لتسرد حكايتهم وتُثْبت واقعهم وترسم مستقبلهم، على الرغم من جميع التحديات التي يفرضها بعض الوقائع الحالية، والتفكك الجاري في المنطقة. وللحديث عن التاريخ والجوهر والواقع، كان لا بد من اللجوء إلى حيث يكمن منبع الردّ على ما يُشاع، إلى مشيخة عقل "الموحدين الدروز" في لبنان، وإلى رأسها، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى الذي كان معه هذا اللقاء الشامل، لكن المكثف. النص الكامل: التحدي الأكبر هو إسرائيل والمخطط الصهيوني لم تتوقف التحديات في المنطقة منذ عقود، والدروز روّاد في التصدي لهذه التحديات.
 
اليوم في ظل الظروف الراهنة، أين يقف الدروز سياسياً؟ الدروز هم الموحدون، وهذا هو اسمهم الحقيقي، أمّا الدروز فتعبير أتى في ظروف غير مرتبطة بمعنى المذهب ومفاهيمه، لذا فالتسمية الصحيحة هي "الموحدون الدروز"، لأن التوحيد ومفهوم التوحيد هو حقيقة هذا المذهب، وهذه التسمية هي التسمية الرسمية التي وردت في قانون تنظيم شؤون الطائفة في لبنان. أمّا فيما يتعلق بالسؤال، فهناك تحديات فعلاً. والتحدي الأكبر هو وجود دولة إسرائيل والمخطط الصهيوني الذي وضعنا في مواجهة واقع صعب ودقيق جداً. واليوم بعدما تفاقم الوضع في سورية، أصبحت المرحلة أدق وأكثر صعوبة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن واقعنا في لبنان يتميز من الواقع في فلسطين وفي سورية، وفي الأردن حيث توجد مجموعة قليلة تُعتبر عشيرة صغيرة نسبياً. وعددنا في الدول الأربع هو نحو مليون ونصف مليون موحد درزي، بمَن فيهم أولئك الموجودون في المهجر، وهم جميعاً جزء لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، وواقعهم مرتبط بدورهم الفاعل في أماكن وجودهم، ولذلك فإنهم يواجهون تحديات ما دامت المنطقة تواجه تحديات.
 
وهناك مخططات ترمي إلى ضرب الهوية خدمة لمشروع معين، وإسرائيل وراء هذا المشروع الذي هو قديم جديد، فقد بدأ منذ عشرات السنين، مع بدايات إنشاء دولة إسرائيل، وفيما بعد، كان هناك نوع من الإغراء للدروز لفصلهم عن تاريخهم. ومع نشوء الوضع المستجدّ في سورية، بدأ المخطط يكشف عن وجهه بطريقة واضحة جداً. فالمجزرة التي حدثت في السويداء شكلت تحدياً كبيراً في ظل دولة فتيّة، ووجود فصائل متطرفة، الأمر الذي عزز التحدي، ووضع الدروز أمام تحدٍّ إضافي: هل يتعايشون مع هذه الدولة التي هم جزء منها، وهذا هو رأينا، بأن نكون جزءاً من الدولة، أم إن المخاوف ستجعلهم يذهبون في اتجاه آخر غير مقبول ومرفوض دائماً من جانبنا وجانب عقلائنا؟ وفي المقابل، ها هي إسرائيل شرعت تفعل فعلها، والوضع اليوم ينطبق عليه ما قاله الزعيم وليد بك جنبلاط الذي اعتبر أن هذا الوضع هو الفرز بين توجهين: توجهنا التاريخي الأصيل وهو التوجه العربي الإسلامي، وتوجه مختلَق تريده إسرائيل، وهذا خطر جداً، لكننا سنظل نتصدى لأي خروج عن الهوية. التضامن والثبات في مواجهة التفتيت مليون ونصف مليون موحد درزي في المنطقة، كيف سيتصرفون ويتعاملون مع هذه المنعطفات والتحديات الخطرة، أو هذا الفرز الذي تفضلتَ به؟ اليوم هناك حرية تعبير، وبالتالي ثمة حرية في اتخاذ المواقف. وبحكم وجودنا في تلك الدول الأربع، فإننا نعي أن كل بلد له واقعه، وأهلنا في كل دولة أَعْرَف بواقعهم. وفي جميع الأحوال، علينا التعامل مع الواقع بنوع من المرونة، مع الحفاظ على الثوابت، وأنا قلت للشيخ موفق طريف يوماً، وقلت لمشايخ العقل كلهم، إن المرونة والتعامل مع الواقع لا يعنيان التخلي عن الثوابت. فهناك متغيرات وهناك ثوابت، والثوابت لا يجوز المسّ بها، فعلى سبيل المثال، الشخص الموجود تحت حكم دولة إسرائيل، هل يغير تاريخه أو أصوله العربية؟ هل يغير انتماءه الإسلامي، أو هويته الإسلامية؟ بالتأكيد لا. هناك ثوابت، وهذه الثوابت تجمع ما بين دروز لبنان وفلسطين وسورية والأردن، لذا ليس كل درزي في بلد معين يمكن أن يغير في هويته. في إسرائيل مثلاً، هناك جنود دروز ضمن الجيش الإسرائيلي ولديهم واقع معين. لا أريد الخوض في الموضوع، لكننا ضد الاعتداء على إخوتهم العرب، وضد أن يكونوا جزءاً من ضرب إخواننا الفلسطينيين، لأنهم أبناء أصل واحد، أبناء فلسطين. لكنهم يعيشون أمراً واقعاً، ونرجو الله ألّا يكون لدينا في لبنان وسورية هذا الأمر الواقع. ومع هذا التحدي كله، لا يمكن التخلي عن الثوابت والجذور، لأن اللعب بالجذور غير مسموح فيه، فهذا أمر يُنهي الوجود، ويحكم على أصحابه بالإعدام. هذا يقودنا إلى سؤال :في مقابل الدور الإسرائيلي التفتيتي في المنطقة، كيف ترى سبل التصدي لهذا الدور؟ إن أردنا إضعاف أنفسنا، نتقسّم. يجب أن تشد المنطقة العربية أَزْر بعضها البعض، فأنا مثلاً، عُمْقي عربي، وعلى العرب مسؤولية الحفاظ عليّ، والمساعدة في تثبيت وجودي في هذه المنطقة، وفي المقابل يتعيّن عليّ التمسك بعُمْقي وجذوري العربية. فنحن أصلنا واضح، وهو يعود إلى القبائل العربية، إلى العائلة العربية الكبرى التي قدمت إلى هذا المشرق أو إلى هذه الثغور في مهمة لحماية ثغور هذا الشرق العربي الإسلامي. ونحن بقينا محافظين على مهمتنا، وعلى ثباتنا في الأرض. أمّا إذا تخلى العرب عن هذه الشريحة وهذه العائلة العربية، فنحن بذلك نُضعف بعضنا. هذه مسؤولية، فاليوم هناك دول تقسّمت، واتفاقات عالمية حدثت، مثل سايكس - بيكو التي قسّمت العالم العربي. ونحن الآن مقدمون على مرحلة جديدة لا أدري إلى أين ستأخذنا، لكن يجب أن يكون هناك تضامن عربي، فإذا تعذّر وجود وحدة عربية التي يبدو أنها مستحيلة التحقق، فعلى الأقل يجب أن نتضامن عربياً ونقف إلى جانب بعضنا البعض في محاولة استدراك ما هو أخطر. وهذا التحدي هو تحدٍّ للجميع، فإمّا أن نكون أقوياء، وإمّا نكون ضعفاء. ثمة الآن شبه تضامن عربي، لكن الواقع مربك، مَن كان يتوقع أن يحدث إشكال بين السعودية والإمارات؟ نحن نعتبرهما في حالة من الوحدة والتكامل، لكن فتّش عن السبب الذي أدى إلى الإرباك بين الدولتين، وستجد إسرائيل ومشروعها. وعليه، بقدر ما نكون متضامنين، بقدر ما نكون متمسكين بالثوابت.
 
صحيح أن العالم يتغير، وعلينا أن نواكبه، وأن نقوم بنهضة اقتصادية مثلاً، لكن علينا كذلك أن نحافظ على أنفسنا بوحدتنا الداخلية ووحدتنا الوطنية، كلبنانيين أو كسوريين، وعلى الأقل ألّا نتخلى عن عمقنا العربي. الحل بقيام الدولة العادلة والمشاركة فيها مشروع الدولة الدرزية يناقض تماماً الثوابت، وهو يطل برأسه بين حين وآخر، فما السبيل لمواجهته؟ مواجهته تحتاج إلى تكثيف الجهود على المستوى السياسي والثقافي والديني، فالدولة الدرزية تعني الانفصال عن الجذور وعن العمق العربي. لذا التحدي الثقافي كبير، والمقاومة الثقافية يجب أن تكون قوية. فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم تغسل أدمغة الأجيال بالتآزر مع مخطط إسرائيلي خبيث، وهي تُستخدم أحياناً للتأثير النفسي، من خلال الاستفزاز والشتائم والإهانات والفضائح لضرب النخب والقوى المسؤولة في الطائفة الرافضة للمخطط، أو التي تواجهه عبر رصّ الصف، والحديث عن العمق العربي والإسلامي. وهناك مستوى ثقافي آخر تُستخدم فيه وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً. فعلى سبيل المثال، نرى محاضرات لشيوخ غير موزونين، ولمنظّرين مدّعين، بعضهم يروّج أن الدروز ليسوا عرباً ولا مسلمين، وإنما كنعانيون وفينيقيون وآراميون. وفي رأيهم فإن الموحدين الدروز لهم دين مستقل وقومية مستقلة، وليس لهم علاقة بالإسلام، ولا بالعروبة، وهذا أمر نرفضه، ويرفضه شيوخنا العقلاء، ويرفضه منطقنا الديني والتاريخي. هناك عملية استغلال لأشخاص معينين لجرّ الطائفة إلى مكان مغاير، فضلاً عن محاولة وضعنا في مواجهة مع الشارع، ومع الدولة..
 
المجزرة التي حدثت في السويداء في تموز / يوليو 2025، هي جزء لا يتجزأ من المخطط الهادف إلى مفاقمة العداء مع الدولة، وبهذا تكون إسرائيل هي المخلّص، بل وصل الأمر بالبعض إلى القول إنهم جزء من إسرائيل، وهذا الأمر أحد أسبابه الجرح الكبير الذي حدث. لكن ليس من المنطقي أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة، وكنا قد طرحنا مع الشيخ الهجري أكثر من مرة، مبادرة فحواها أن يتم اتفاق بينه وبين الدولة على قاعدة أن نفرض شروطنا، ربما بالأمن الذاتي، وربما بالمطالبة بالمشاركة في الدولة وفي صوغ الدستور، وقلنا له ومَن معه: ضعوا شروطاً مثل مكونات الشعب السوري كلها، وتفاوضوا واتفقوا، لكن أن يكون الرد على الدم بالالتحاق بإسرائيل، فهذا تغيير لتاريخنا، وسبيلنا إلى التهلكة. في المحصلة، نقول إن أوطاننا تحمينا، ومظلتنا هي وطننا ودولتنا، وبقدر مشاركتنا في هذه الدولة بكفاءة، وبنيل حقوقنا المشروعة بتعاون وانسجام مع سائر المكونات، بقدر ما ننجح في تأمين هذه المظلة التي هي الدولة، والتي تحمي الجميع. لماذا مطلب الدولة الخاصة؟ غداً كل حزب يحاول أن ينشىء دولة فيتجزّأ المُجزَّأ، والحل هو بقيام الدولة العادلة، دولة الشراكة ودولة المواطَنة.
 
"حفظ الإخوان" مبدأ اجتماعي، والثابت هو الانتماء إلى العروبة والإسلام بعد أحداث السويداء، ومبادرتكم أنت ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق الأستاذ وليد جنبلاط، عاد الحديث عن مفهوم "حفظ الإخوان" لدى الموحدين الدروز. في رأيك ألا يتعارض هذا المفهوم الديني الروحي مع مفهوم الدولة، ولا سيما أنه يتجاوز الحدود السياسية القائمة؟ هذا هو حقيقة الزكاة، أن تحافظ على أخيك المؤمن، ابن مجتمعك، وعلى الناس الذين تعيش معهم. هذا هو مبدأ الزكاة، وهو بعبارة معتمدة لدينا "حفظ الإخوان"، والحفظ ليس بالمال فقط، بل أيضاً بالموقف، وبالاحتضان الثقافي والتربوي والديني، وبعدم تركهم يذهبون إلى الهاوية. فأنا لا أقطع علاقتي الروحية بإخوتي، فمثلاً إذا حمل أحدهم بطاقة إسرائيلية، وهو مُجبَر ولديه واقع صعب، هل يصبح منبوذاً روحياً من جانبي؟ كلا، لكن هذا لا يعني أن موقفي السياسي مثل موقفه، فنحن نفرّق بين الموجبات الدينية والأخلاقية، وربما الاجتماعية، وبين الواقع السياسي. حتى بيننا وبين إخواننا في سورية وفي فلسطين، هناك علاقات عائلية: مصاهرة وروابط اجتماعية، وهذا طبعاً له مفاعيله. إذاً هناك علاقات مودة، لكن هذا لا يعني أبداً أن تتحول هذه العلاقات إلى مبرر لاستباحة الحدود ولإقامة دولة درزية. هناك علاقات مودة مع المغتربين في أميركا اللاتينية أو أميركا الشمالية وكندا وأستراليا، لأن البُعد لا يفسد هذه العلاقات. فأنا عندما أقع في ضائقة، أستنجد بإخواننا المهاجرين، وكذلك عندما وقعوا في ضائقة في السويداء، قمنا بحملة تبرعات هنا في لبنان، وأرسلنا قوافل المساعدات. هذا نوع من حفظ الإخوان، لكن هذا لا يعني أن نتخلى عن ثوابتنا.
 
حفظ الإخوان يقف عند حدود الثوابت التي هي ركائز الوجود، وهي ثوابت دينية إيمانية، وأخلاقية اجتماعية، وثوابت تتعلق بالأرض والوطن، أي ثوابت وطنية. لو ترجمنا هذه الثوابت، فما المقصود بها؟ هذه الثوابت هي الثوابت الدينية التي هي ثوابت إسلامية، ثوابت توحيدية، ومنها ثوابت الخصوصية في مسلكنا التوحيدي، لأننا لسنا أبناء دين مستقل، بل أبناء مسلك توحيدي في إطار الدين الإسلامي {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلَامُ} (سورة آل عمران، الآية 19). وهي ثوابت اجتماعية، وعادات وتقاليد، ومبادىء اجتماعية أخلاقية، فمثلاً في عاداتنا وتقاليدنا ليس هناك تعدد زوجات. أيضاً في ثوابتنا الشرعية، صحيح أن {لِلذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ} (سورة النساء، الآية 11) لكن عندنا حرية الإيصاء، يعني ربما أب يوصي لابنته ضعف ما يوصي لابنه في حالات خاصة، لكن إذا مات الأب من دون وصية، يُحكَم بحسب الشريعة: {لِلذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ}. هذه الثوابت هي ثوابت اجتماعية وأخلاقية تشمل الشرف، والمحافظة على العرض، وإغاثة الملهوف، والكرم، فهذه ثوابت اجتماعية لا نتخلى عنها. والثوابت الوطنية متعلقة بالأرض، ولهذا السبب مثلاً، تلاحظ أن الدروز في فلسطين لم يتركوا أرضهم، لأن من الثوابت التمسك بالأرض. نحن نتكيف مع الواقع، ونحافظ على الأرض. فعلى سبيل المثال، لنتذكر عندما تعرّض إخواننا في جبل السمّاق في إدلب لضائقة قوية جداً، وكذلك حادثة قلب لوزة، وقبلها وبعدها، كيف عَلَت أصوات تنادي بأن نأتي بهم من إدلب إلى لبنان، وكان عددهم يتراوح بين 25,000 و30,000 تقريباً، حتى إن هناك مَن تحدث مع الزعيم وليد بك جنبلاط بهذا الشأن، لكن الرأي كان أن يبقوا هناك ويتعاملوا مع الواقع بحكمة، ثم فُتح خط مع تركيا لحمايتهم. الآن هم مرتاحون يتكيفون مع الواقع، لكنهم في بعض الأمور ليسوا مطلقي الحرية. فالثابت هنا هو التمسك بالأرض وعدم النزوح عنها أو تركها، والتكيّف مع الواقع وتحمّله. شركاء فاعلون ووسطيون كلمة أخيرة؟ هناك مسؤولية علينا في مواجهة التحديات، وهي مسؤولية ثقافية في الدرجة الأولى، على الأقل في مواجهة الحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما الذي يجب أن نفعله لنثبّت الهوية كي لا نسمح بغسل أدمغة أولادنا.
 
طبعاً على المستوى الديني علينا واجب، فمسلك التوحيد هو مسلك ارتقاء إلى عمق الحقيقة الدينية، باعتبار أن الدين سبيل وليس غاية، فعندما يكون الدين سبيلاً، تكون الغاية هي الإنسان وعلاقته بالله سبحانه وتعالى، أي تحقيق إنسانية الإنسان في الله، فتلك هي الغاية. أمّا إذا أصبح الدين هو الغاية، فإنه يصير نوعاً من التحجر والتعصب. علينا أن نرتقي في مسلكنا الديني، وهذا نوع من المواجهة؛ فالارتقاء في فهمك، وفي عيشك للدين، وفي إيمانك وتعزيز ارتباطك بالله، جميعها من وسائل المقاومة والحفاظ على الهوية. والأمر الذي يساعد في حفظ الهوية هو إعطاؤنا حقوقنا في أوطاننا، لأننا شركاء في وطننا، ولا نطمح إلى أخذ شيء من أحد، وهذه مسؤولية الدولة. فالانتقاص من حقنا هو نوع من الإساءة لنا، لأننا طائفة أساسية ومؤسِّسة، ويجب دائماً أن نكون في عين العناية، فكوننا أقلية لا يعني أن نُهمل. ونحن نعزز شعورنا الوطني من خلال كوننا شركاء فاعلين، لأننا طائفة جامعة لاحمة، وفي الوسط، وقد آلينا على أنفسنا أن نكون على صلة جيدة بالجميع، وهكذا نحافظ على دورنا. وهذه كانت رسالتي خلال زيارة قداسة البابا [لاون الرابع عشر للبنان بين 30 تشرين الثاني / نوفمبر و2 كانون الأول / ديسمبر 2025]، وقد تكلمت معه في اجتماعنا الخاص بالمنطق نفسه، أنا وأصحاب السماحة من رؤساء الطوائف الإسلامية، فنحن نحاول أن نكون موحدين في هذا التوجه، ونكون عنصراً جامعاً.
 
نحن نقاس بالدور لا بالعدد، ونعمل على أن يكون هذا الدور دوراً وطنياً جامعاً لاحماً، لأننا هكذا نحافظ على أنفسنا، بأن نكون شركاء وسطيين فاعلين. كما أن على الدول العربية والدول الصديقة أن تحافظ على هذه الأقلية، وأن تستفيد من وجودها، لأن هذه الطائفة لم تكن في يوم من الأيام خائنة، وما يحدث في السويداء غريب عنا، وهو نتيجة تدخّل إسرائيلي شرس، وتخلٍّ في المقابل عن الرعاية والاحتضان.