المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الاثنين ٠٣ تشرين الأول ٢٠٢٢ - 7 ربيع الأول 1444
سماحة شيخ العقل يدعو من المجلس الشيعي إحياء لذكرى الشيخ قبلان الى عهد جديد يعيد الثقة المفقودة بالدولة

2022-09-07

شارك سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ د. سامي أبي المنى عصر اليوم في ‏مناسبة إحياء الذكرى الأولى لرحيل سماحة الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، في قاعة الوحدة الوطنية ‏في المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى على رأس وفد ضم: رئيس محكمة الاستئناف الدرزية العليا ‏القاضي فيصل ناصر الدين وقضاة المذهب المشايخ: سليم العيسمي، فؤاد حمدان وغاندي مكارم، ‏الشيخ كمال ابي المنى، عضو مجلس ادارة المجلس المذهبي الخبير المالي الاستاذ ناجي صعب ‏ومدير عام المجلس الاستاذ مازن فياض ومدير مشيخة العقل الاستاذ ريّان حسن. وكان لسماحته ‏كلمة بالمناسبة جاء فيها: ‏

الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيِّد المرسَلين وعلى آلِه وصحبه الطاهرين وعلى ‏أنبياء الله المنتَجَبين أجمعين.‏
‏"مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا ‏تَبْدِيلًا".‏
صاحبَ السماحة نائبَ رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب وأعضاء ‏المجلس المحترمين، سماحةَ المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان والعائلة الكريمة، ‏أصحابَ السماحة والسيادة والفضيلة، أصحابَ المعالي والسعادة، الأخوة والأخواتُالكرام...‏
يطيبُ لي من موقعي الشخصي، ومن موقع مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز، أن أشاركَكم ‏لقاءَ الذكرى السنوية الأولى لرحيل سماحة الإمام العلَّامة الشيخ عبد الأمير قبلان، سائلاً لروحه ‏الرحمة ولأبنائه ومحبّيه ولجميع عارفيه السلامةَ والعافية، وللمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى القدرةَ ‏من بعدِه على متابعة نهج الاعتدال وحملِ رسالةِ الأخوَّة.‏
سماحةُ الشيخ الإمام، عرفناه رجلَ علمٍ ومعرفة، ورجلَمواقفَ ومبادئ، عرفناه قلباً كبيراً وعقلاً ‏راجحاً وحضوراً لافتاً، وعرفناه وجهاً خيِّراً من وجوه الحوار والتقارب، وعلَماً لامعاً من أعلام ‏المجتمع والوطن، كيف لا؟ وهو صاحبُ الكلمة الطيبة المؤثِّرة، والعبارةِ الرقيقةِ الصريحة، ‏والخطابِ العابقِ بعبير المحبةِ والسلام.‏
لقد جسَّد الإمامُ الرئيسُ إيمانَه برسالة الإسلام ونبيِّه الأكرم (ص) قولاً وفعلاً، فكان سنداً للعلم ‏والعلماء،ناصراً للحق ومنتصراً لأهله، كما جسَّد إيمانَه بلبنانَالواحدِ وبأمّتِه الإسلامية، فوقف عمره ‏لخدمة المجتمع والوطن ودعمِ القضايا المحقّة، وسجّل مواقفَ وطنية رائدة رسَّختْ نهجَ الاعتدال ‏وساهمت في صيانةِ الحياةِ المشترَكة وتعزيزِ الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وهو مَن عُرفتْ ‏شخصيتُه بالمناقبيةِ الرفيعة والهمّةِ العالية والجهدِ المتواصل والاندفاع اللامحدودِ لخدمة الناس، ‏والانفتاح على المكوِّنات الوطنية كافةً، وذاك هو نتاجُ الإيمان الصحيح وعنوانُ الصلاح والإصلاح ‏الذي يضعُ صاحبَه في مصاف الخالدين، لقوله تعالى:‏
‏"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالدونَ"‏

لقد كان سماحةُ الشيخ قبلان رائداً من روّاد الوحدة الإسلامية والتضامن الإنساني، من خلال عمله ‏للتقريب بين المذاهب وتعميم ثقافة المصالحة والتعاون، ومن خلال جهاده في سبيل الله وخدمة ‏الفقراء والمستضعفين، وفي عملِه للوحدة والتماسك والتعاون بين أبناء الوطن، أكان في الإطار ‏الشيعيّ أم الإسلاميّ أم الوطنيّ، أم في اندفاعه ونُصرته للقضية الفلسطينية، أم في مساندته القويّة ‏للمقاومة الوطنية طالما اقتضى الأمرُ ووُجد العدوان.‏
يكفيه فخراً أنه كان وفياً لسماحة الإمام السيد موسى الصدر، مرافقاً إيَّاه منذ البدايات، مُتمسِّكاً ‏بأهدافه، محافظاً على نهجه، وحاملاً رسالتَه؛ تلك الرسالةَ التي لم تُهمَل يوماً منذ أربعٍ وأربعينَ سنةً ‏على تغييبه المشؤومِ ورفيقَيه، تغييباً هو أشبهُ بالاغتيال وأصعبُ وأدهى، دون أن يدريَ المجرمون ‏أن الجريمة تولِّدُ القضيَّة، وأنَّ القضيَّة تُوقظُ الشعبَ، وأنّ الشعبَ يتوارثُ الرسالة، وأنّ الرسالةَ أملٌ ‏لا يَنقطعُ ولا يُغيَّبُ، طالما أنَّ حامليها هم قدوةُ الرجال ونخبةُ العلماءِ المتعاقبين بعد الإمام الصدر ‏والإمام شمس الدين والإمام قبلان وسواهم من سادة هذه الطائفة الكريمة وشيوخِها وأُولي الأمر ‏وقادة الرأي فيها.‏

سماحةَ الأخ الشيخ علي الخطيب، سماحةَ الأخ الشيخ أحمد قبلان، إخواني جميعاً،
مع الإمام الصدر تلاقى الراحلون الكبار؛ شيخُ العقل الشيخ محمد أبو شقرا والمفتي الشهيد الشيخ ‏حسن خالد وإخوانُهم على ثوابتَ إسلاميةٍ متينة، ومع الشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ عبد ‏الأمير قبلان تلاقى الرؤساءُ الروحيون جميعُهم، مسلمون ومسيحيون، على نهجٍ وطنيٍّ جامعٍ أكّدته ‏القممُ الروحيةُ المتتالية، وهو ما أعادت تأكيدَه القمةُ المنعقدة في دار طائفة الموحدين الدروز بتاريخ ‏‏30 تموز 2019 بدعوة من سماحة شيخ العقل الشيخ نعيم حسن بالقول: "إن الوحدةَ الوطنية التي ‏نشأت بين العائلات الروحية اللبنانية على قاعدة المواطنة والميثاقية والعيش المشترك والتعددية، ‏والتي أرسى ثوابتَها اتفاقُ الطائف بتعديلاته الدستورية، تشكِّلُ الأساسَ الضامنَ لبناء لبنانِ الغد، ‏وعلى هذا الأساس فإن أيَّ اساءة للعيش المشترك في أيِّ منطقة من لبنان، هي إساءةٌ الى لبنانِ ‏الفكرةِ والرسالة، تعرِّضُحاضرَه ومستقبله للأخطار والأزمات".‏
واليومَ، ما زلنا معاً، أيُّها الأخوةُ الكرام، نُجدِّدُ الإيمانَ برسالتِنا الإنسانية المشترَكة هذه، ونؤكِّدُ ‏مسؤوليتَنا الروحيةَ والأخلاقية، معَ سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ومعَ ‏سماحة نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، ومعَ أصحاب الغبطة والسماحة ‏الرؤساءِ الروحيين جميعِهم، ومعَ أصحابِ السيادة والفضيلة في كل المذاهب ومن كل المشارب، ‏معلنينَ انتماءَنا إلى هويةٍ إنسانية ووطنيةٍ واحدة، والتقاءَنا وارتقاءَنا على دروب المحبة والرحمة ‏والأُخوَّة، واستعدادَنا للمحافظة بعضِنا على بعض محافظةَ كلِّ واحدٍ منَّا على نفسِه، اعتصاماً بحبلِ ‏الله الجامع المتين، لا بحبل الشيطان الواهنِ المفرِّق، والتزاماً بقوله تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ‏جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚوَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ...".‏
التنوُّعُ نعمةٌ وغِنى؛ نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى، والعقلُ هو النعمةُ الكبرى، أفلا يجدرُ بنا أن ‏نَذكُرَها وأن نقابلَمبادرةَ الله الرحمن الرحيم الودودِ الكريم بمبادرةٍ منَّا،فنُحكِّمَ عقولَنا ونرتفعَ بهذا ‏التنوُّعِ المُنعَمِ به علينا إلى المستوى الأرفع من المودَّة والرحمة والكرم، بالتفاهم والتوافق والتشارك ‏والتكامل لبلوغ غايةٍ إنسانيةٍ واحدة وتحقيقِ إرادةِ الله فينا، والتي هي إرادةُ الجمع والخير والسلام، ‏لا إرادةَ الفُرقة والشرِّ والخصام؟
إنَّ واقعَ بلادِنا وما فيه من معاناة وتجاذبات وهواجسَ ومخاوفَ وتداخلاتٍ يدعو إلى القلق ‏والإحباط، ولكن بالمقابل هناك من الحكمة والإرادة والعلاقات الطيِّبة والتراثِ المشترَك والتطلُّعات ‏الجامعة ما يدعو إلى الأمل وما يعزِّزُ الثقةَ بالوطن وبإمكانية النهوض به، وهذا ما يستدعي من ‏أصحاب الشأن والمسؤولية الانتفاضَ على الواقع المرير وتغليبَ المصلحةِ العامة وحقوقِ الشعب ‏على ما عداها من مصالحَ وأنانياتٍ دمَّرت البلد وكادت أن تُنهيَ وجودَه وأن تَقضيَ على أحلام ‏الناس فيه، وهو الوطنُ الأجملُ بطبيعتِه وموقعِه، والأغنى بتراثه وتنوُّعِه،والأغلى بقيَمِه الروحية ‏والاجتماعية.‏
فليكُنْ صوتُ الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان مسموعاً، ولْتبقَ دعوتُه الدائمةُ إلى الحوار والتعالي عن ‏الصغائر قائمة، ولْنؤكِّدْ معه أن لبنانَ لا يحلِّقُ إلّا بجناحَيه؛ المسلمِ والمسيحي، ولتكن ذكرى رحيلِه ‏الأُولى انطلاقةً لمسيرة إصلاحٍ حقيقيٍّ والتزامٍ أخلاقيٍّ ببنود الميثاق وبمواعيد الاستحقاقات ‏الدستورية، بدءاً من تأليف الحكومة العتيدة الحائزة على ثقة الناس وممثّليهم والقادرة على تَحمُّلِ ‏المسؤولية في مواجهة التحديات الداهمة، وصولاً إلى انتخاب رئيسٍ جديدٍ أمينٍ ومؤتمَنٍ على ‏الجمهورية، وإلى عهدٍ جديدٍ يُعيدُ الثقةَ المفقودةَ بالدولة ويرسمُ ملامحَ لبنانِ الغدِ العائدِ إلى حقيقتِه ‏المشرقة بالأملِ والعنفوان.‏
تلك هي تطلعاتُنا، وذلك هو نداؤُنا، نُطلقُه من قاعة الوحدة الوطنية في المجلس الإسلامي الشيعي ‏الأعلى، نداءٌ واحدٌ موحَّد هو عنوانُ قمَّةٍ روحيةٍ نصبو إليها، لعلَّها تتحقَّقُ قريباً، ولعلَّ الرؤساءَ ‏والمسؤولين يتلقَّون النداءَ بإيجابيةٍ ومروءة، فيُقدِّمونَ تنازلاتٍ مُربِحةً للجميع، ويُقدِمونَ على ‏خطواتٍ استثنائيةٍ مُريحةٍ للداخل والخارج، فينجوَ الوطنُ بين ربحٍ من هنا وراحةٍ من هناك، ويبدأُ ‏تفكيكُ العُقدِ واحدةً تلوَ الأخرى، عِوَضاً عن وضعِ الحواجز، حاجزاً إثر حاجزٍ، في لعبةٍ أشبهَ بلُعبة ‏عضِّ الأصابعِ أو لعبة الرقص على حافّة الهاوية التي يغامرُ بعضُهم بممارستِها دون التفاتٍ إلى ‏وجع الناس وألم الوطن.‏
ومهما يكنْ من أمرٍ، ومهما يُرَ من انهيارِ وفشل، ومهما يُرمَ بلبنانَ في أجبابِ العدوان ‏والمقايضات، فلن يقوى عليه اليأسُ، وسيعودُ كما عاد يوسُفُ (ع): "يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن ‏يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون".‏
لن نيأسَ بعونِ الله، وستبقى جُذوةُ الأملِ مستعرةً تَطغى على رماد العجزِ والإحباط، طالما أن البلادَ ‏المؤمنةَ ولَّادةٌ للرجال المؤمنينَ الكبارِ والقادةِ المخلصينَ العِظام، أمثالِ صاحبِ الذكرى، حفِظ اللهُ ‏ذكراه، وحفِظكم خيرَ خلفٍ لخير سلَف، والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.‏