المجلس المذهبي | مجلة الضحي
السبت ١٣ آب ٢٠٢٢ - 15 محرم 1444
سماحة شيخ العقل يحذّر من الانهيار التامّ وفشل الدولة‎ ‎واللقاء التشاوري يُطلق من دار ‏طائفة الموّحدين نداء وطنيا

2022-07-27

دعا سماحة شيخ العقل لطائفة الموّحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى "المسؤولين ‏لإيجاد سبل التعافي الممكنة لما نراه من خطر حصول الانهيار التامّ وفشل الدولة، وليكن ‏شعارنا في هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا: "الحياد عن كل ما يفرق والانحياز إلى كل ما ‏يجمع"، معتبرا انه "ليس بالإمكان إنقاذُ الوطن إلَّا بالتفاهم والسير معاً في اتِّجاه هدفٍ ‏مشترَك، لا بالأنانية والتصلُّب في المواقف أو بالتخوين والازدراء والتربُّص بعضُنا ‏ببعض".‏
‏ كلام شيخ العقل جاء خلال استضافته في دار الطائفة-بيروت اليوم "اللقاء التشاوري ‏المنبثق عن ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار وشبكة الأمان للسلم الأهلي" لإطلاق ‏النداء الوطني تحت عنوان‎ :‎‏"أولويات الرؤية الوطنية في مواجهة التحديات"، الذي حضّ ‏أركان الدولة والقوى السياسية للجم التدهور الاقتصادي المخيف، والمواجهة الفاعلة ‏للتحديات الوجودية والمصيرية الداخلية والخارجية وللولاءات المتضاربة التي تهدِّد ‏اللبنانيين"، مناشدا "الرؤساء الروحيين المبادرة إلى عقد القمة الروحية المرتقبة بهدف ‏التأكيد على المسؤولية الروحية والأخلاقية للمرجعيات الدينية وعلى رسالة الدين الإنسانية ‏التي تدعو إلى حفظ كرامة الإنسان وصون المجتمع".‏
‏ وشارك في اللقاء الى جانب شيخ العقل ورئيس اللقاء التشاوري سماحة السيد علي فضل ‏الله، ونخبة من الشخصيات الوزارية والنيابية والروحية والثقافية والأكاديمية والحوارية.‏
‏ افتتح اللقاء بالنشيد الوطني استهلالا وقدم امين عام اللقاء الشيخ حسين شحاذة مبتدئا ‏بكلمة شكر لمشيخة العقل على الاستضافة، قائلا "كم تواترت نداءات السلم الأهلي والأمن ‏الاجتماعي والوطني على منابر شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز سماحة الدكتور سامي ‏ابي المنى‎ ‎برؤية عميقة كانت وما تزال تدعو الى وجوب الانتقال‎ ‎بخطاب تنقية الذاكرة، من ‏خطاب التسويات المرحلية الى خطاب يقارب المعالجة الجذرية لبناء وحدتنا الوطنية ‏الجامعة والكاملة، فلا تهتز امام التحديات ولا يخلخلها الانقسام".‏
 
شيخ العقل
‏ ثم القى سماحة شيخ العقل الكلمة التالية:‏
‏ بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ المرسلين وعلى آله وصحبه الطاهرين ‏وعلى أنبياء الله الطيّبين..‏
قال تعالى في كتابه العزيز: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا‏‎ ‎وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ‏وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا". (سورة ‏الطلاق، آ 2-3)‏
أيُّها الأخوةُ والأحبّة،
ننطلقُ من الآية الكريمة‎ ‎الداعية إلى الارتكاز على قاعدة التقوى والتوكُّل على الله، وإلى ‏تغليب الأمل على اليأس، والعمل على الأمل، في زمنٍ طغى فيه الإحباطُ وتعاظمت ‏التحديات، ويُسعدُني، في هذا المقامِ وفي إطار هذه الدعوة، الترحيبَ بكم في لقائنا الثقافيِّ ‏الحواريِّ هذا انطلاقاً من الرؤية الدينية والوطنية والإنسانية المتقدِّمة التي رسمناها معاً ‏للملتقى عند تأسيسه.‏
ويدفعُني الواجبُ الروحي والأخلاقي والوطني، من خلال موقعنا في مشيخة العقل، إلى ‏التأكيد على دعم الملتقى لأخذ المبادرة بإعادة تفعيل دورِه، سعياً إلى تحقيق أهدافه وبعثِ ‏روح الأمل في المجتمع، من خلال العمل على تعزيز الروابط بين أبناء الوطن الواحد على ‏أساس القيم الوطنية والروحية والاجتماعية المشتركة، والارتقاءِ بها لتكونَ دُستورَ حياةٍ ‏بينهم ومساحةً للتلاقي والشراكة الفاعلة.‏
 
أيُّها الأخوةُ الأفاضل،
هذه الدارُ دارُكم، هي الدارُ الموحِّدةُ الجامعة، ككلِّ المقامات الروحية، هي دارُ الأخوّة ‏والمحبّة؛ الدارُ المتجذّرة في عروبة أبنائها وإسلامِهم ووطنيتهم، تفتحُ أبوابها للجميع بروح ‏الانفتاح والشراكة والتلاقي، إذ لا حياةَ لها إلّا بجمع الشملِ ونبذ التفرقة وحمل رسالة ‏التوحيد والإنسانية.‏
أهلاً بكم في داركم، تجسّدون بلقائكم التشاوريِ هذا، رسالةَ هذه الدار، وتمهّدون الطريقَ ‏للقاءاتٍ متنوّعةٍ ومثمرة، وربّما لِقمة روحيةٍ مُرتجاة، في وطنٍ أصبح بأمسّ الحاجة إلى ‏العناية الفائقة وتضافر الجهود روحياً وسياسياً وعلى مستوى النخب الثقافية والاجتماعية ‏المحليةِ والاغترابية ورجال الأعمال، والمخلصين كافةً من أبنائه، وكم نحن بحاجة إلى ‏كلمة طيّبة وفعلٍ طيّب، لا إلى فتح ملفّات ومزايداتٍ تؤجّج الخلافات وتصرفُ النظر عمّا ‏هو أهمُّ وأولى.‏
كم نحن بحاجةٍ إلى رؤية وطنيةٍ معمَّقة وموحَّدة تنطلق من فلسفة وجود لبنان وروحية الدين ‏وتجارب التاريخ الحلوة والمرّة، وقد أكّد الملتقى مراراً على أهمية الاستفادة من غنى ‏التنوُّع الثقافي والديني، وأطلق المبادرة تلو المبادرة في هذا الاتِّجاه. ‏
وكم نحن اليومَ بحاجةٍ إلى التأكيد معاً، على تنوُّع مقاماتِنا ومسؤولياتِنا، وفي مواجهة ‏التحديات الداخلية والخارجية المتلاحقة، على الرسالة ذاتِها ذي المضمون الإنساني، من ‏أجل صوغ رؤيةٍ وطنيةٍ واحدةٍ وموحِّدةٍ للبنانيين مهما كانت التبايناتُ والاختلافات في ‏الرؤى والآراء، رؤيةٍ تغلّبُ مفهومَ المواطنة على مفهوم الطائفية، ولغةَ الحوار والتفهُّم ‏والتفاهم على لغة التخوين والتكفير والاستقواء والتبعية والنكران.‏
إنَّنا، ومن هذا المنطلق، ومن توجُّهات مشيخة العقل الواضحة والثابتة، وتوجُّهات أصحاب ‏الغبطة والسماحة الرؤساءِ الروحيين الأجلَّاء، ندعو إلى صَوغ تلك الرؤية الوطنية بالاستناد ‏إلى أسسٍ إيمانية أخلاقية روحية متينة، نرسِّخُها في عقول أبنائنا وقلوبهم، لتكون سلاحاً لهم ‏في مواجهة عواصف التحديات على اختلاف عناوينِها، ودرعاً منيعةً للتخفيف من ‏مضاعفاتِها، وقوَّةً معنويةً قادرةً على تصويب مسار الإصلاح المُرتجى. ‏
لقد أُثخن المجتمعُ بجراح التفرقة، وناء تحت ثقلِ الانقسامات والولاءات المتضاربة، وأُرهقَ ‏بالمواجهات العبثيةِ المتلاحقة، ممَّا يحدونا إلى ضرورة التفكير معاً بكيفية التصدّي ‏للتحديات الوجوديةِ والمصيريةِ التي تهدِّدُ لبنانَ واللبنانيين، والتأكيدِ معاً على رفض أن ‏تكون العلاقةُ بالخارج قائمةً على تبعياتٍ وارتهانات، بل على احترامٍ متبادَلٍ ومودَّاتٍ ‏مشروعة يتمُّ استثمارُها لحساب المصلحة اللبنانية العليا.‏
إنَّ الولاءَ الوطنيَّ يقضي بوجود رؤيةٍ وطنيةٍ موحَّدة، والرؤيةُ الموحَّدة تقضي بتمتين ‏أواصر العلاقات الداخلية، والتضامنِ في مواجهة التحديات والعقبات التي تحول دون قيام ‏الدولة الوطنية الجامعة، وتوجبُ على الجميع الحفاظَ على هيبة الدولة، وبالتالي احترامَ ‏مواعيد الاستحقاقات الدستورية واحترامَ المؤسساتِ الوطنيةِ والمساعدةَ على النهوض بها، ‏لا إضعافَها وتقويضها، كما تُوجبُ الحرصَ على احترام حقوق الآخر ومصالحِه بقدر ‏الحرص على حقوق الذات ومصالحِها، وتعزيزَ ثقافة السلم الأهلي واعتمادَ الحوار الشفاف ‏والصريح لمعالجة الاختلافات، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة الدفاع عن النفس والتصدّي لأي ‏اعتداءٍ على الوطن.‏
أيُّها الأخوةُ والأحبَّة، ‏
على تلك العناوين المطروحة تلاقينا ونتلاقى معاً، كرؤساءَ روحيين، مؤكِّدينَ على ‏مسؤوليتنا الروحيةِ والأخلاقيةِ المنبثقة من رسالة الدين الإنسانية التي تدعو إلى حفظ كرامة ‏الإنسان وصون المجتمع، وندعو معاً، وكلٌّ من موقعِه الوطنيِّ والثقافيّ والروحي، إلى ‏الحوار البنَّاء والتعارف والتكامل، وإلى التعالي عن تفاصيل المسائل الشائكة والمعقَّدة ‏داخلياً وخارجياً، والتلاقي على المبادئ الوطنية المشتركة، ونَحثُّ المسؤولين على إيجاد ‏سُبُلِ التعافي الممكنة بدافعٍ من ضمائرهم أوّلاً، وهم يرَون، بدون أدنى شك، ما نرى من ‏خطر حصول الانهيار التامّ وفشل الدولة، وليكُن شعارُنا في هذه المرحلة الحسَّاسة من ‏تاريخِنا: "الحيادُ عن كلِّ ما يُفرِّق والانحيازُ إلى كلّ ما يجمع".‏
وليكُن معلوماً عند الجميع أنه ليس بالإمكان إنقاذُ الوطن إلَّا بالتفاهم والسير معاً في اتِّجاه ‏هدفٍ مشترَك، لا بالأنانية والتصلُّب في المواقف أو بالتخوين والازدراء والتربُّص بعضُنا ‏ببعض، وعلى أركان الدولة والقوى السياسية كافةً التوجُّهُ الصادقُ في هذا المسار، فليس ‏هناك أولويةٌ أكثرُ إلحاحاً من أولوية معالجة قضايا الناس الاجتماعية، والحدِّ من معاناة ‏اللبنانيين، والتدبير العلمي والعملي المدروس للجم التدهور الاقتصاديِّ المُدمِّر، ومحاربة ‏الفساد، ومحاولةِ تخفيف نسبة اليأس لدى الشباب، والحدّ من هجرتهم، ورفع نسبة الأمل ‏لديهم بإمكانية خلاص الوطن.‏
وفّقنا الله وإيَّاكم، أيُّها الأخوةُ الكرام، للسير معاً وللعمل معاً من أجل تحقيق غاية الملتقى ‏وغاية اللقاء، والتي هي غايةُ الدين وغايتُنا جميعاً، مسلمين ومسيحيين وأخوةً في الوطنية، ‏شكراً لكم على تلبية الدعوة، أكرمتمونا بحضورِكم أكرمكم الله، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله ‏وبركاتُه.‏
 
فضل الله ‏
‏ وتحدث بعد ذلك رئيس اللقاء التشاوري السيد علي فضل الله قائلا: "في البداية لا بد من ‏التوجه بالشكر الجزيل والتقدير لصاحب السماحة شيخ عقل الموحدين ‏الدروز الدكتور سامي أبي المُنى على استضافته الكريمة لهذا اللقاء الكريم، وهو الذي ‏ربطتني به علاقة أخوة وصداقة ومحبة وعمل مشترك يهدف إلى تعزيز أواصر الوحدة ‏على كل الصعد لبناء هذا الوطن واستقراره، والتي لا يبنى ولا يستقر إلا بها. كما أتوجه ‏بالشكر لكم أيها الحضور الكريم شركاء العمل للسلم الأهلي وللقاء الأديان والمذاهب ‏وتعزيز الحوار في ما بينها على تلبيتكم لهذه الدعوة الكريمة، والتي نأمل أن تشكل نقطة ‏ضوء في النفق المظلم الذي يمر به وطننا، ونداءً صارخاً نطلقه ليصل إلى كل إذن تسمع ‏لينضم إلى كل الأصوات التي تسعى لإنقاذ هذا الوطن مما حل به من انهيار والذي يخشى ‏من آثاره وتداعياته الكارثية.‏
أيُّها الأحبة:‏
إننا نمر في مرحلة عصيبة لم يمر بها هذا الوطن طوال تاريخه والتي باتت تُطاول مصيره ‏وتهدد كيانه ما يتطلب من كل الواعين والمخلصين والحريصين عليه إلى الارتقاء إلى ‏مستوى الأخطار التي يواجهها على الصعيد السياسي والاقتصادي أو الاجتماعي أو ‏المعيشي والعمل بكل جدية ومسؤولية لمواجهتها، وهي مسؤولية نؤكد دائماً أنه لن تستطيع ‏طائفة أو مذهب أو فريق سياسي أو موقع مهما علا شأنه وكبر موقعه أن يقوم بها وحده، ‏بل لا بد من أن تتضافر كل الجهود والقدرات والإمكانات والطاقات لمعالجتها، ولن يكون ‏أحد مهما حصن نفسه بمنأى عن تداعياتها.‏
فهذا البلد لا يبنى ولن يبنى بما يحصل في واقعنا من توزيع الاتهامات ونعوت التخوين ‏وبإثارة الهواجس والمخاوف، أو بالرهان على تطور هنا أو حدث هناك يؤدي إلى ‏تغيير موازين القوى فيها لمصلحتهم، أو بالاستقواء بالخارج على الداخل، وهو بالطبع ‏لن يقوم بغلبة طائفة على أخرى أو مذهب على مذهب أو فريق على آخر، بل بالتشارك ‏الحقيقي البناء لمعالجة أزماته وبالحوار البناء لإزالة أي هواجس قد يستشعرها هذا الفريق ‏أو ذاك.‏
لقد جربنا أيُّها الأحبة الانقسام ودعوات التقسيم والإلغاء وسياسة الإقصاء والعزل ولم تنتج ‏لنا إلا مزيداً من الدمار والفتن والمعارك الداخلية التي عانينا ولا نزال نعاني منها، ومن ‏الطبيعي أن نعمل على أن لا نلدغ من حجر مرة أخرى.‏
أيُّها الأعزاء:‏
لن تقوم لهذا الوطن قائمة، إلا إذا انطلقنا من هذه الرؤية، وتوجهنا معاً لمعالجة ما يُجمع ‏اللبنانيون على اعتباره قضيتهم الأولى، وهي تأمين لقمة العيش ورغيف الخبز وحبة الدواء ‏وسرير المستشفى ووسيلة النقل وغير ذلك من الضرورات الأساسية، والعمل على تلبية هذه ‏الحاجات ومنع التأثيرات السلبية لذلك على الوطن حتى أخذت إرادته تٌسلب وقراره ‏يُصادر، لا سيما بعد هذا الإمعان المديد في سياسات الفساد والهدر وسوء الإدارة والجشع. ‏إننا لا نزال نرى أن أبواب الأمل ستبقى مفتوحة إن قررنا أن نبدأ العمل بتوفير ‏شروط الاستقرار، ولا استقرار إذا لم يتم الالتزام بآداب الخطاب السياسي، والكف عن أن ‏يكون الدين الجامع أداة للشحن الطائفي غير المسؤول الذي يوتر الأجواء ويعمق الأزمة ‏المعيشية، ويهدد الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، ويكرس حال الفراغ، ويمنح التغطية لكل ‏أولئك الذين يتهربون من مسؤولياتهم في تشكيل حكومة قادرة على مواكبة هذه المرحلة ‏الصعبة، وتأمين الظروف الكفيلة بإنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده، والذي ‏يريده اللبنانيون أن يكون فرصة للتوافق ليكون مدخلاً لانفراجات وطنية وسياسية ‏واجتماعية لا محطة لتجديد الانقسامات والنزاعات. وهذا الاستقرار لن يكتب له الاستمرار، ‏إذا لم تتم مواجهة الفساد ومحاكمة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، وممارسة القضاء ‏لدوره الطبيعي وتحريره من ضغوط السياسيين وغير السياسيين، وضمان حقوق المودعين.‏
‏ وختم: "إن وطننا ليس فقيراً، وانهياره لم يأتِ لقلة موارده، بل بسبب سياسات نحن ‏مدعوون إلى إعادة النظر فيها وإصلاحها، لذا نعود ونؤكد أن الحل الجذري لأزمة هذا ‏البلد يكمن في الإصلاحات التي تحول دون السطو مجدداً على ما يمكن أن نوفره من أموال ‏وموارد والالتزام بها، وفي الإسراع بإنجاز الخطة الاقتصادية التي تولي النشاط الإنتاجي ‏الأولوية، ونحن في الوقت نفسه نشدد على أن لا نغفل عن ضرورة بناء وطن قوي منيع ‏بقواه الذاتية لا يستعيرها من أحد ليواجه كل من يهدد لبنان في وجوده وسيادته وحريته ‏وأمنه وثرواته، وعلى رأس ذلك العدو الصهيوني الذي لا يزال يرى لبنان نقيضاً له ‏بتنوعه وبحيوية شعبه وبمقدراته وإمكاناته وهو من يهدد اليوم ثروته الغازية والنفطية التي ‏هي واحدة من صمامات نهوضه من واقعه الذي يعاني منه، حيث لا بد أن يكون الموقف ‏موحداً في هذه المواجهة. أجدد شكري وتقديري وأملي الدائم باستمرار هذه اللقاءات لعلنا ‏من خلالها نطلق فسحة أمل يحتاجها هذا الوطن الذي نخشى أن نفقده وأن يتحول كل لبناني ‏إلى مهاجر أو مشروع مهاجر".‏
 
زين
‏ كما تحدث الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب المحامي عمر زين مشيرا الى ما ‏‏"وصلت اليه الامور من فلتان على كل الأراضي اللبنانية وما يحدث من صراعات مشبوهة ‏ومفتعلة ووقائع وأحداث تصب كلها في تأجيج الروح المذهبية والطائفية والعشائرية التي ‏بدأت تحدث بذور شقاق وتطرف ونزاعات وكراهية وإساءات واستغلالاً للدين وطوائفه ‏ومذاهبه في النزاعات السياسية، بحيث أمست تشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي".‏
ورأى ان المدخل للخروج من الوضع الراهن يبدأ بتشكيل حكومة كفاءات، وإصرار على ‏إجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده، والتأكيد على الحوار الوطني حول القضايا الخلافية ‏وحماية دور لبنان لتأكيد دولة المواطنة والتنوع، والتمسك بحقوق لبنان في ثروته النفطية ‏والغازية، وضبط سعر صرف الدولار الاميركي، وإصدار قانون استقلالية السلطة القضائية ‏وإحقاق العدالة الكاملة في تحقيق تفجير مرفأ بيروت، والالتفاف حول القضاء والجيش ‏اللبناني‎.‎
 
مناقشات
‏ وجرت بعد ذلك نقاشات حول القضايا المطروحة، فنوّه وزير التربية والتعليم العالي ‏القاضي عباس الحلبي بسماحة شيخ العقل من خلال مساره الحواري الطويل وترجمته ‏باللقاء في دار طائفة الموحدين الدروز لتبقى أبوابها مفتوحة لكل اللبنانيين، رغم ان ‏الاجتماع هو بعكس سير لبنان اليوم بات كله اتجاهات، نلتقي اليوم لاجل الوطن وحمايته ‏والحفاظ عليه، كما ان البيان المرتقب يشكل أساسا صلبا للمستقبل والمطالبة لاحقا بعقد قمة ‏روحية تجمع المرجعيات على كلمة سواء لمصلحة الوطن والخروج من ازمته المتفاقمة ‏والمأزق الذي نعيش فيه جميعا، والمؤسف هو تأثير السياسة على رجال الدين بشكل عام". ‏
واعتبر النائب ملحم خلف ان "كلام القيم الروحية والأخلاقية تسقط امام واقع السياسة ‏والمحاصصة باسم الدين، مما يستوجب من المرجعيات الروحية مسائلة المجتمع ورجال ‏الدين عن القيم، ونخجل القول أحيانا كثيرة باننا عندما نرى المواطن يطلب الخبز من ‏المنظومة التي همها تقاسم المناصب لنصبح الجميع من افشل الفاشلين". مطالبا "الرؤساء ‏الروحيين بمرجعية قيمية تحمي الوطن".‏
‏ وقدّم النائب السابق د. عصام نعمان ورقة عمل حملت خطة عملانية من الأولويات، من ‏تأمين الضرورات الحياتية في الغذاء والدواء والكهرباء، وتثبيت حق لبنان في مياهه ‏بتكريس الخط ‏‎29‎، والتوافق على حكومة ائتلاف وطني، وتحقيق جنائي للنهب العام".‏
‏ بدوره شدد المطران بولس مطر على "المحبة الضامنة والشاملة ليكون اللبنانيون جميعا ‏امة واحدة في وطن واحد وشعب واحد ويبقى الحوار هو الطريق الأساسي للخلاص".‏
‏ ولاحظ الشيخ د. هشام خليفة ان "الولاء للطائفة بات قبل الولاء للوطن وكذلك للزعيم، ‏وعوضا من ان يكون التنوع نعمة حوّلوه الى خلاف مع سيطرة الضمانات الخارجية ‏والسرقات التي باتت مرض لبنان".‏
‏ وقال الاب نكتاريوس خير الله: "المشكلة باتت اكبر من حكومة وانتخابات وموارد ‏طبيعية التي هي امر بديهي، بل بشعب بات اقصى طموحه هو اصغر حقوقه حيث القضايا ‏المهينة التي يتعرض لها هي العناوين الأساسية لكل شيئ".‏
‏ ورأى الشيخ زياد الصاحب انه "لا يجب انفراد أي جهة او غلبة طائفة على أخرى ‏باعتبار اللبنانيين سواسية، وانهاء حالة الفساد والمحاصصة التي تنخر المجتمع".‏
 
‏ البيان الختامي
‏ وفي الختام أذاع النائب البطريركي لأبرشية بيروت للسريان الكاثوليك ورئيس اللحنة ‏الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي المطران شارل مراد البيان الختامي وجاء فيه:‏
‏ "بمباركة من سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، وبحضور رئيس ملتقى الأديان ‏والثقافات سماحة العلامة السيد علي فضل الله، وبدعوة من اللقاء التشاوري المنبثق من ‏ملتقى الأديان. وشبكة الأمان للسلم الأهلي، استضافت دار طائفة الموحدين الدروز في لبنان ‏اللقاء الموسَّع للشخصيات والفاعليات الروحية والأكاديمية والثقافية الحوارية، وفي ختام ‏اللقاء صدر عن المجتمعين البيانُ الآتي:‏
‎1- ‎يوجّه المجتمعون الشكر إلى سماحة شيخ العقل الدكتور سامي أبي المنى، لاستضافته ‏هذا اللقاء الثقافي الحواري انطلاقاً من دوره التأسيسي للملتقى ومشاركته الدائمة ‏في فاعليته وفي الفاعليات الحوارية المتعددة، ومن موقعه الروحي والوطني الجامع في ‏مقام مشيخة العقل. ‏
‎2- ‎يشدّد اللقاء على ضرورة أن تقوم الروابط بين اللبنانيين على أساس القيم الوطنية ‏والروحية والاجتماعية المشتركة، والارتقاء بها لتكون دستور حياةٍ بينهم ومساحةً للتلاقي ‏والشراكة الفاعلة. ‏
‎ 3- ‎يؤكد اللقاء أهمية الاستفادة من غنى التنوُّع الثقافي والديني ذي المضمون الإنساني ‏لصوغ رؤية وطنية واحدة توحِّد اللبنانيين وتجمعهم مهما كانت التباينات والاختلافات في ‏الرؤى والآراء، على أن تقضي هذه الرؤية بتغليب مفهوم المواطنة على مفهوم الطائفية، ‏ولغة الحوار والتفهُّم والتفاهم على لغة التخوين والتكفير والاستقواء والتبعية والجحود ‏والنكران. ‏
‎4- ‎ومن هذا المنطلق، يدعو اللقاء إلى أن تستند الرؤية الوطنية الواحدة إلى أسسٍ إيمانية ‏أخلاقية روحية ثابتة، علينا أن نحصّنها في عقول أبنائنا وقلوبهم، لتكون قواعدَ صلبة في ‏مواجهة عواصف التحديات على اختلاف عناوينها، وقوَّةً معنويةً للتخفيف ‏من مضاعفاتها ولتصويب مسار الإصلاح المُرتجى. ‏
‎ 5- ‎يركّز اللقاء على ضرورة المواجهة الفاعلة للتحديات الوجودية والمصيرية الداخلية ‏والخارجية وللولاءات المتضاربة التي تهدِّد اللبنانيين، والتأكيد على أن لا تكون العلاقة ‏بالخارج قائمة على تبعياتٍ وإرتهانات، بل على احترام متبادَلٍ ومودَّاتٍ يتم استثمارها ‏لحساب المصلحة اللبنانية العليا، بينما الولاء الوطني يقضي بتمتين أواصر العلاقات ‏الداخلية والتضامن في مواجهة التحديات والعقبات التي تحول دون قيام الدولة الوطنية ‏الجامعة. ‏
‎6- ‎يؤمن اللقاء بأن الرؤية الوطنية الواحدة تحتِّم على الجميع الحفاظ على هيبة الدولة ‏ودستورها، وبالتالي تُوجبُ على الجميع احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية واحترام ‏مؤسسات الدولة والمساعدة على النهوض بها، لا إضعافها وتقويضها. ‏
‎7- ‎يؤكد اللقاء على الرؤية الوطنية الواحدة التي تفرض على مختلف الأفرقاء تعزيز ثقافة ‏التصدّي لأي اعتداءٍ على الوطن، والحرص على احترام حقوق الآخر ومصالحه بقدر ‏الحرص على حقوق الذات ومصالحها، وتعزيز ثقافة السلم الأهلي واعتماد الحوار الشفاف ‏والصريح لمعالجة الاختلافات. ‏
‎ 8- ‎يناشد اللقاء الرؤساء الروحيين المبادرة إلى عقد القمة الروحية المرتقَبة بهدف التأكيد ‏على المسؤولية الروحية والأخلاقية للمرجعيات الدينية وعلى رسالة الدين الإنسانية التي ‏تدعو إلى حفظ كرامة الإنسان، وصون المجتمع، والتعارف والتشارك، والدعوة إلى التعالي ‏عن تفاصيل المسائل الشائكة والمعقَّدة داخلياً وخارجياً، والتلاقي على المبادئ الوطنية ‏المشتركة، وحثّ المسؤولين على إيجاد سُبُل التعافي الممكنة قبل حصول الانهيار ‏التامّ وفوات الأوان.‏
‏9- يدعو اللقاء أركان الدولة والقوى السياسية كافةً إلى التجاوب مع هذا النداء والتوجُّه ‏الصادق إلى معالجة القضايا العالقة بعيداً عن الأنانية والتصلُّب في المواقف، وذلك للحدّ من ‏معاناة اللبنانيين، ومن أجل لجم التدهور الاقتصادي المخيف، ومحاولة تخفيف نسبة اليأس ‏لدى الشباب، والحدّ من هجرتهم، ورفع نسبة الأمل لديهم بإمكانية نهضة الوطن من ‏كبوته". ‏
 
لقاءات
‏ وكان سبق اللقاء التشاوري الموّسع اجتماع في مكتب سماحة شيخ العقل ضم أعضاء من ‏اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي: الوزير عباس الحلبي، محمد السمّاك، حارث ‏شهاب، جان سلمانيان، كميل منسى ود. غازي قانصو، للبحث في قضايا ذات صلة وتتعلق ‏بدور اللجنة وآفاق الحوار المستقبلية.‏
‏ كذلك كان لقاء لسماحته مع النائب ملحم خلف، وكذلك مع رئيس "منتدى التنمية والثقافة ‏والحوار" القس رياض جرجور. ‏