المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الاثنين ٢٣ أيلول ٢٠١٩ - 23 محرم 1441
رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن بمناسبة راس السنة الهجرية سنة 1441 – 2019م.

2019-08-30

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيِّد المرسلين، وآله وصحبه أجمعين، إلى يوم الدِّين
حين وصلَ النبيُّ إلى يثرب مهاجراً، كان التاريخُ معهُ يبدأ من جديد. ما عاد في أمداء الصحراء الشاسعة ما يعوَّلُ عليه للمستقبلِ سوى ما نزل به الوحيُ هدًى للناس ورحمةً للعالمين. بات نورُ الرِّسالةِ فرقاناً بين الحقّ والباطل، فمن شاء أن يستبطنَ الجاهليَّةَ فهذا شأنه، ومن استشعر في آيات الكتاب الكريم سبيلَ حياةٍ يهدي للتي هي أقوم، وسلَّمَ لموجبات الأمر والنَّهي صوْناً لرُوحِه من مزالق الهوى، فقد أحيا نفسَه وزكَّاها، ودخل في حرَم الرِّضى إنساناً محقِّـقاً لشروطِ إنسانيَّته بما يُرضي الله عزَّ وجلَّ.
كان من أثرِ تقدير النِّعمةِ، وإدراكِ خطرها العظيم على مسار الزَّمان، والوقوفِ على معنى الأمر الجلل فيما خصَّ التأصيل المتجدِّد للدَّعوةِ الـمُبكِرة، "دعوة أبي إبراهيم" كما ورد في الحديث، التي كادت مقاصدها أن تُطمس في الجزيرة العربيَّة، أنَّ الصحابة الأوائل أدركوا المقامَ المهيب للوقت الذي يعاينوه في عين التاريخ، فكان لهم فاتحة تقويم إسلاميّ مُبارَك، مُستهَلُّه توحيدُ الله عزَّ وجلَّ، ومنهاجُه ﴿الكتاب بالحقِّ مُصدِّقاً لِما بينَ يديه﴾، ولِباسُه "الأمَّةُ" التي قال فيها الكتابُ العزيزُ ﴿وَكذلكَ جعلناكُم أمَّةً وَسَطاً لتكُونُوا شُهدَاءَ علَى النَّاسِ ويكُونَ الرَّسولُ عليْكُم شَهيداً﴾ (البقرة 143).
وحَريٌّ بالمؤمنين الاحتفاء بدلالات هذا اليوم العظيم من بابِ تزكية النَّفس بالتقوى والاستشعار الحميد والوقوف عند عتبات الحمْد والشُّكر برجاء التوفيق والانكباب على الانشغال بالأعمال الصالحاتِ لزوم تهذيب الذات في مسالكها ومقاصدها وأخلاقها بالسويَّة ذاتها مع لزومِ نهج الصَّلاح والخيْر في كلِّ شأن اجتماعيّ وكلّ ما يتعلَّق بالحقل العام.
إنَّ المسؤوليَّةَ التي يتولَّاها أيٌّ كان في الشأن العام هي مسؤوليَّةٌ مرتبطةٌ بحقوقٍ أساسيَّة لا يُمكن التنكُّر لها تحت طائلة تهمة الفساد بعيْنه. أوَّلها حقُّ الضمير الأخلاقي، ثمَّ الحقّ القانوني الذي ينظِّمُ شؤون الخَلق في نطاق الواجبات والحقوق في الحقل العام خصوصاً، ثمَّ الحقّ الشَّرعيّ من الوجهة السياسيَّة المتعلِّق بارتباطِ انتخاب الشَّخص ليكونَ أميناً على مصالِح النَّاس في إطار المصالِح الوطنيَّة. ولا يُمكِن لأمَّةٍ أو بلدٍ أو أيّ تشكيل لجماعةٍ أن تزدهرَ أو أن تستقرَّ إن تنكَّرَ الـمُنتَخَبون لتلك الحقوق المذكورة وغيرها. هذا في الأحوال العادية وفي الظروف المستقرَّة، في حين أن المسؤوليَّة في هذا الإطار ترقى إلى مستوى بالغ الخطورة في أوقات الأزمات التي تهدِّد مصير البلد وأحوال الناس في أمانهم الاجتماعي من كل جوانبه. وهذا حال بلدنا اليوم كما يعرفُ الكبيرُ والصغيرُ، الأمر الذي يفرضُ على الجميع من دون استثناء التجرُّد التام من كلِّ قصر نظر ومن كلِّ تورُّط في لعبة المصالح الضيِّقة.
إنَّ لبنان الـمُهدَّد أمنيّاً واقتصادياً واجتماعيّاً يترقَّب، من كل المسؤولين الَّذين تولَّوا المسؤوليَّةَ باسم أمانةِ الحفاظ عليه، أن يقدِّموا لشعبهم منافذ الحلول الكفيلة بإنقاذ وطنهم. ونحن نرى بوادر استنفار الهمَم وبذل الجهود المضنية في هذا السَّبيل، ونحن على ثقة بأن التعاون الإيجابي بين كلِّ القوى السياسيَّة كفيلٌ بتحقيق النتائج المرجوَّة، ومن غير المجدي التذكير بأن الانزلاق في مهاوي التنافر والخلاف والتعطيل والسلبيَّة كلَّف البلدَ الكثير من الشهور العقيمة والمؤذية والتي كادت أن توصل البلاد والعباد إلى ما لا تُحمد عواقبه.
إنَّ الوحدة الوطنيَّة اليوم هي أجدى الضَّمانات في وجه كلّ ما يواجه لبنان من تهديدات وأعتاها الاعتداءات الصهيونيَّة وما تكيده لوطننا ولمنطقتنا. إن الالتفاف حول الدولة ومؤسَّساتها وجيشها الوطنيّ هو الأمر الأهم الَّذي يوفِّر في الآن عينه لشعبها مقوِّمات الصّمود والقدرة على اجتياز كلّ المخاطر.
نسأل الله تعالى أن يصون شعبنا وبلدنا وأمَّتنا من كلِّ ضيْم، وأن يسدِّد الخطى في كلِّ خير، وأن يلهمنا إلى ما فيه الصَّلاح، إنه هو الحليم الكريم السميع المجيب.
***************