المجلس المذهبي | مجلة الضحي
السبت ١٥ كانون الأول ٢٠١٨ - 6 ربيع الثاني 1440
كلمة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن في حفل تكريم المرحوم القاضي شريف قيس

2018-08-10

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالَمين، والصَّلاة والسَّلامُ على خاتم النبيين سيِّدِ المرسَلين وآله وصحبه أجمعين وعلى كافة الأنبياء والمرسلين.
نرحب بكم في داركم جميعاً،
المُكرَّمُ اليوم، المرحوم القاضي الشيخ شريف محمّد قيس، هو رجُلُ عِلمٍ، وتحصيلٍ معرفيّ، ودَأْبٍ مُستدام في ارتقاءِ سُلَّمِ المسؤوليَّاتِ في القانُونِ والقضاء والمناقبيَّة، بل والشَّغفِ العاقِل بما هو العدْلُ والحقُّ والأداء الكُفْؤ الَّذي يرقى إلى مستوى نموذجيّ في تجسيـدِ مثالٍ حيّ على ما يُمكِنُ للإنسانِ النبيل المجتهِد أن يقدِّمَهُ لوطنِه وللقيَم الساميَة التي بها يُبنَى المُجتمعُ الحضاريّ السَّليم.
إنَّ سيرةَ المُكرَّمِ اليوم تكشِفُ عن رجُلٍ كان في حياتِه أشبهَ بمُريـدٍ في محراب العدالة الاجتماعيَّة حتَّى بات فيه علماً من أعلامها من دون أن يبرحَ مسالِكَ الفضْلِ والتواضُع ونذْر النَّفس لخِدمةِ مجتمعِه في أمرٍ جوهريّ تُقامُ به الممالكُ وتقوى، وتهِنُ الأوطانُ بإهمالِه وتفسُد، وهو أمرُ العدْل، والتزام ما يقتضيه من أحكام القانون والإنصاف بالحقّ.

وحين تَمنحُ الجمهوريَّةُ، مُمَثَّـلةً بفخامةِ الرئيس، وسامَ الاستحقاقِ للمكرَّم، فهي بالحقيقةِ تُكرِّمُ به المناقِبَ والسَّجايا والمزايا الأخلاقيَّة الأثيلة، التي من شأن امتثالِها في الأداءِ العمليّ في الشأن العام، أن تكونَ دلالةً على الأُنْموذَجِ الجليِّ لمفاهيم أساسيَّة في المجتمع المدنيِّ الناجح، والإدارة العامَّةِ المنتِجة، وقطاعات العمل في كلِّ الحقول، أعني مفاهيم المواطَنَة والوظيفة والمسؤوليَّة والأداء الملتزم بالأنظمة والنصوص التشريعيَّة إلى ما هنالك...

ولا أمضَى لمحاربةِ الفسادِ بكلِّ أشكالِه من حدِّ هذا الالتزام المناقبيِّ بمفهوم الخِدمةِ العامَّة. فإن لم يكن وازعٌ من داخل الفرد، فإنَّ مؤسَّسات الدَّولةِ القائمة على حُكم القانون من شأنِها أن تشحذَ ما يُشكِّلُ وازعاً تشريعيًّا جزائيّا لكلِّ مُخلٍّ بهذا الالتزام، بما يعزز عمل السلطة القضائية.

لا بُدَّ من هذه المقاربةِ بجِدّيَّةٍ بالغة، وإلَّا من أين لنا سبيلٌ إلى العبُور نحو الدَّولةِ المستقرَّة التي تمنحُ مواطنيها المجالَ العام الآمِن والمزدهر والواعِد بأطيب الآمال بحياةٍ كريمةٍ حرَّة؟ دولة المؤسَّسات التي لا يُعرقلُها تعطيل، ولا يعوِّقُ مسارَها التنمويّ، أو يحدُّ من سلطتِها انقساماتٍ وشروخ داخليَّة. دولة الآليَّات الديموقراطيَّة الفاعلة، دولة إحترام الحرِّيات المسؤولة وحصانة السلطة القضائيَّة التي هي في معيار العدْل عيْنه، منزَّهة مستقلَّة وبمنأى عن أيّ شكل من أشكال الضغوطِ والتدخُّلات الباطلة.

علينا أن نرتقي بعقلنا ومسالكنا إلى الحدِّ اللائق الَّذي يحقِّق في ذواتنا ثمرةَ الفضيلة. فلا شيءَ في هذه الحياة الدّنيا يُضاهي جمالَ الحقّ واتّباعَه فيما يُرضي الله. إنَّ اتـِّباعَ الحقّ هو الخيرُ الأعظم لذاتِ المرء، خصوصًا لكونه عضوًا في المجتمع فيعمّ النَّفعُ، ويتأسَّس الإصلاح. علينا بهذا النور أن نشهدَ للقِيَم الأخلاقيَّة النبيلة، ونعطي المِثالَ الصالح في الصِّدق والخير والعدل والمحبَّة والاتّزان، وفي الحِلم والتواضع والإيثار، وفي التقوى والحياء وبساطة الرّوح والعمَل الصالح. واعتقادُنا أنه لا يصحّ إصلاحٌ اجتماعيٌّ، ولا تترسَّخ مِنعَة إنسانيَّة خارج حقل الشهادة الرّوحيَّة والعمليَّة لتلك القيَم.

ولا يسعنا، من حيث التزامنا الرُّوحي والإنساني، إلاَّ أن نناشدَ مختلفَ القيادات في وطنِنا الى إحترام أسس الوحدة الوطنية ومقاربة الوضع الدقيق الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يهدد بلدنا. دعواتنا وصلواتنا أن يؤلِّفْ سبحانه وتعالى بين قلوب الحاكمين لتكون لنا حكومة وحدة وطنيَّة تتوخَّى في عملها كلّ الخير لبلدنا العزيز ولشعبه الطيِّب.
اننا نهيب بالجميع التزام الهدوء واستعمال الكلمة الطيبة التي تعزز المحبة بعيداً عن احتمالات التصادم وتعميق الانقسامات والضغائن في النفوس.
نسأله تعالى أن يسدِّد خطانا فيما هو الحقّ والعدْل، وأن يُلهمَ الجميعَ إلى ما فيه الخير لوطننا.