المجلس المذهبي | مجلة الضحي
السبت ١٥ كانون الأول ٢٠١٨ - 6 ربيع الثاني 1440
رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك 16/5/2018

2018-05-16

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربّ العالمِين، والصّلاةُ والسَّلام على خاتم النبيين وسيِّد الـمُرسَلين، وآله وصحبِه اجمعين، إلى يوم الدِّين

إنَّه شهرُ الخيْر والهدى والبـِـرّ. شهرُ النُّور الَّذين أضاءَ القلوبَ وأحياها بتوحيدِ الله وذِكره، والسَّعيِ الدؤوبِ في سُبُل طاعتِه، والاقتداءِ بأخلاقِ نبيِّه صلّى اللهُ عليه وسلَّم وقد وصفته الآيةُ الكريـمةُ من سورةِ القَلم ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾، "وهو ما اشتملَ عليْه القرآنُ من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثالُ القرآن سجيَّةً لهُ يأتمرُ بأمره، وينتهي عمَّا يُنهى عنه" كما وردَ في التفسير.
هوَ شهرُ القرآن الكريم، الكتابُ الموصوفُ بأنَّه "روحٌ من أمر الله"، و"بُرهانٌ منه"، و"مَوعِظةٌ وشِفاء لِما في الصُّدور وهُدًى ورحمة"، ﴿هَذا كتابٌ أنزلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوه واتَّقُوا لَعَلَّكُم تُرحَمُون﴾ (الأنعام 155). وما الصَّوم في الشهر الـمُبارَك التي أُنزلَتْ فيه النِّعمةُ الخالدة إلَّا وسيلة تُعِينُ المؤمنَ على تهذيب الجِسم وجوارحِه، وعلى رقَّة نفسِه تجاه الحقّ، والتعاطُفِ مع الآخَرين ببذل الصَّدقات وأعمال البِـرّ، فيتقرَّبُ بحركةِ قلبِه نحو فسيحِ المعاني الرَّبَّانيَّة، وبتوفيقِ الله تعالى ورحمته فإنَّه يستشعر الرِّضى والغِبطة بالطاعة ما لا يعادلُها من كنوز الدُّنيا شيء على الإطلاق.
وثمرةُ الخيْر في الإسلام العظيم هي ثمرةٌ تسمو بها الذَّاتُ إلى معراج الحقيقة، لكنَّها أيضاً لا بُدَّ منعكسةٌ في النَّاس، بين الأهل وفي الـمُجتمع، وبقدْر ما يكونُ العبدُ صادقاً مخلِصاً نزيهاً متواضعاً في مسالك ديانتِه، فإنَّه بالقدْر عينِه يكونُ نافعاً للناس، عامِلًا بينهُم بكلِّ ما فيه صلاحٌ ونَـفعٌ وفضْلٌ وإحسان في مجتمعه، وبالتالي في وطنه وأمَّته بقدْر ما تسمو همَّـتُه إلى منازل رفيعة عند الله عزَّ وجلَّ.
وها هي الفرصة مجدَّداً تأتي لبلدِنا، بعد استحقاقات كبرى، لندخلَ في مرحلةٍ متجدِّدة. إنَّ كلَّ عاقِلٍ يُدركُ، بل يتيقَّنُ، بعد انجاز الاستحقاق الانتخابي، إنَّه ما من أيِّ مسوِّغٍ، ولا من أيِّ سببٍ، يُمكن أن يُعيدُنا إلى الوراء لجهةِ الانقسامات السياسيَّة التي أعاقت الكثير من حركة النهوض بالدَّولةِ ومؤسَّساتها إلى ما ينتظرُه الشَّعبُ منها من إصلاحاتٍ إداريَّة، وحلُول لكلِّ قطاعات الخدمات، والدَّفع بالاقتصاد إلى حركةِ مؤشِّر متصاعدة، واستدراك مُعضلة الدَّين العام باجتراح الحلول التي لا بدَّ يُدركها أصحابُ الخبرة والاختصاص ورجال الدَّولة المنكبّين على إنجاز ما وعدوا به منتَخِبيهم. إنَّ صوتَ الشَّعب وازنَ بين كلِّ الفئات، ولا بدَّ من حِفظِ هذه القاعدة لأنَّها الضمانة لنجاح العهْد وتحقيق الطموحات.
ولا بدَّ من توجيهِ النداء إلى أهلِنا وخاصَّة في الجبل. اقطعوا طريقَ الفتنةِ على الفوْر. ارتقوا بسلوككُم إلى ما يليقُ بتاريخِكُم وبتراثِكُم وبسجاياكُم الخُلقيَّة التي يُضرَبُ بها المثَل. لا تنزلقوا في أيّ انفعال أو سجال أو استفزاز. والشهيد المظلوم له الكرامة عند ربٍّ عطُوف كريم. ومطلب العدْل هو مشيئة خالق الكوْن. وحدتُنا ومواقفُنا وثوابتُنا هي أوْلى وأقوى من أيِّ خللٍ هنا أو هناك. إنَّ الكثيرَ ممَّا يُرمى في وسائل التواصُل في المستوى العام هو مشبوه، ومنه ما تأكَّد إنَّه مُفَبرك، والعاقلُ هو الحليمُ الرَّزينُ الـمُمَيِّز البصير، الثابتُ على قواعد التَّوحيد ومسالكه الشريفة. والموحِّدُ يسعى في الخير والصَّلاح وحثِّ النّفُوس على الاتّحاد بقيَم الشهامة والمروءة والأرْيَـحيَّة وفضائل الأعمال. والموحِّدُ يتمسَّكُ في الأزمان الصعبة وغيرها بحسِّ عالٍ للمسؤوليَّة والواجب والمبادرة الكريـمة. وكلُّنا ثقة أنَّ أهلَنا موضع الثقة والأمانة في حِفظِ الأصُول.
ويأتي الشهر الفضيل هذا العام، فيما أحوال الأمة الإسلامية والعربية لا تزال تبعث على القلق والأسى، حيت ترتسم التحديات والأخطار الكبيرة في أفق بلادنا، ولا يوجد أي تحرك جامع لمواجهة تلك الاخطار. وها هي فلسطين تعاني وشعبُها تحت وطأة الاحتلال وعدوانه الذي لا يتوقف ومحاولاته الدائمة لسلخ الأرض الفلسطينية عن هويتها وتاريخها وانتمائها، وتأتي محاولة تحويل القدس الى عاصمة للكيان الصهيوني لتشكّل ضرباً جديداً من ضروب التسلط والاغتصاب لحقوق الشعب الفلسطيني، الذي يبقى هو المثال الحقيقي الصامد على النضال المتواصل من أجل دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف. 
نسألُ الله العليّ القدير أن يُلهمَنا إلى كلّ ما فيه الخيْر والفلاح، وأن يقدّرَنا على الثبات في مسالك الطاعات، وأن يُنير قلوبَنا بمعاني الذِّكر الحكيم، وأن يلطفَ بنا ويبارك لنا بالمسلك الذي يليق في هذا الشَّهر الفضيل. 
بيروت في: 30 شعبان 1439 هــ. الموافق 16-5-2018 م.