المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الاثنين ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٨ - 3 ربيع الأول 1440
رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن لمجلة الضحى العدد 23

2018-04-15

نحو أنوار الأمل والثقة والمصداقية
 
يجابهُ مجتمعُنا العديد من التحديات الكبرى في المستويات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والبنيويَّة والثقافيَّة وما يتفرَّع عنها، أو ما يُعزى إلى مردِّها في كلِّ حقل. 
إنَّ كلَّ تلك التحديات، التي منها ما هو منظور مشخَّص، ومنها ما هو مغفول عنه أو مُهمَل، تتنامى فوق وتيرةٍ متصاعدة من "تسارُع" ما يحدثُ في الزمن، وهو تسارُع تُسهم فيه اندفاعة التطوّرات التقنية ومؤثّراتها الشموليَّة، وشبه "انهيار" العالَم السياسيّ القديم تحت وطأة جموح الدول العظمى في صراعٍ محموم ما فتئ يشحن العالَم برمَّته بكافَّة أشكال التوتُّر في شتَّى الميادين.
ما يهمّنا بشكل خاص هو موقع عالَمنا العربي والإسلاميّ في هذه الصُّورة، وهو موقع يغلبُ على أحوالِه تلقّي الفِعل، والترنُّح الفاجع تحت وطأة الحروب التي تتداخلُ فيها العواملُ المحليَّة والاقليميَّة والدوليَّة بأشكال فائقة الشبهة، وبالتالي، موقع لبنان الدقيق وسط العواصف، والمؤثرات المختلفة التي منها ما هو قائم فعلا، ومنها ما يهدِّده بأخطار داهمة من دون أن تتوقَّف المحاولات الدؤوبة من رجال الحُكم فيه لتجنُّب كلّ ما هو أسوأ، ودائماً، في ظلّ جيشٍ يؤدي واجبه الوطني، وشعبٍ يتمسك بما تميَّز به نظامه منذ الاستقلال.
هذا الإطار المضطرب يُملي عليْنا، قيادات ومؤسَّسات قائمة وفعاليات اجتماعيَّة ونخب من مختلف الحقول ونُشطاء في كافَّة المجالات، أن نضفي على حركة النُّهوض في مجتمعنا طابَع الفعالية والابتكار والمبادرة السديدة والمشاركة بالحيويَّة الإيجابيَّة، وبالرّوح الوثّابة نحو الأحْسن، وذلك عبر التحرُّك باتّجاه آفاق جديدة لرؤية أحوال مجتمعنا بواقعيّة علميّة ورؤيويّة. إنّ هذا الأمر لا يمكن أن يكون ذا جدوى إلا بتطوير آليّات المقاربات الهادفة إلى إحداث الفعاليّات المثمرة، والنتائج المرجوَّة، والإنجازات المفيدة.
في هذا الإطار العام، يتضمَّن العدد الراهن من "الضحى" ملفّا عن آفة خطيرة ذات مستويات متعدّدة من وقوع الأذى على الأفراد وعلى بُنية المجتمع في الآن عينه، هي آفة الإدمان بشكل عام، وتعاطي المخدّرات بشكل خاص. وعلينا أن نذهب بعيداً في طرح الأسئلة الجدّية بشكل واسع، بموضوعيَّةٍ وبشعور عميق بالمسؤوليّة، وهي أسئلة تتعلّق بالدوافع والمسبّبات وارتباط ذلك بالعديد من مستويات الاشكاليّات والأزمات الاجتماعيّة مثل البطالة، والمؤثّرات السلبيَّة في سوء استخدام شبكات التواصُل، والتفكُّك العائلي كما يُستدلّ من صعود مؤشرات حالات الطلاق في المحاكم، وبالتالي، انحلال روابط النظام التربويّ وما يُنتج عنه من الأخذ بنسبيَّة المفاهيم الأخلاقيَّة، ناهيك عن النزوع إلى مدارك سطحيّة للشؤون الثقافيّة الفكرية في كثير من أوساط الشباب، خصوصاً تلك التي ما يتعلّق منها بمسائل مرتبطة بكيفيّات التعاطي مع "أجندة العالم المعاصر" في حين أن معظم "الدول المتلقية" ترزح تحت وطأة تصاعد الأرقام المخيفة للدَّيْن العام؟ وما يعكس ذلك من تأزم الأوضاع الاقتصادية.
في هذا الزمن الذي تنحط فيه إنسانية الانسان نستنهض المخلصين للمثل النبيلة، الغيارى على بقاء القيم الأخلاقية واستمرارها الى عمل ينقذ هذه المثل من الاضمحلال الذي يزداد يوماً بعد يوم . إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ.
إعادة تفعيل " التعليم بالقدوة" هي القاعدة الصحيحة لكل توجّه سواء في البيت او المدرسة او المجتمع. انها مسؤولية الدولة والمجتمع المدني (جمعيات ونوادي) ووسائل الاعلام والاسرة وكل فرد. 
لا نستطيع ان نربي أولادنا على خلق قويم، الّا اذا كنا نمارس عزة النفس وابائها. فالطفل الذي يرى اباه يدخن ويشرب الكحول ويسمع الكلام البذيء في كل يوم ويرى الخلاعة على شاشات التلفزة فلا يؤثر فيه فيما بعد ان تشرح له اضرارها جميعاً. ولا نستطيع ان نعلّم الناس الصدق ونحن نكذب عليهم ولا الوفاء ونحن نخونهم، ولا الحشمة ولا الحياء ونساؤنا تتزين بمفاتن الجسد.
علينا الخروج من "الظاهرة الاستعراضيّة" لكثير من النشاطات العامّة نحو التوقّف مليّا أمام الأسئلة الصعبة التي تواجهنا بشكل تحديات يومية. يتطلّب هذا الأمر على سبيل المثال عقد مؤتمرات عدّة يتناول كلّ منها جانباً من جوانب الأحوال، أوّلها في "الأزمات الاجتماعيَّة" الآنفة الذكر، شرط أن تكون الموضوعات مدار بحث ودرس وتحضير وتشخيص واقتراح حلول من قبَل أهل الفِكر والاختصاص والخبرة. إنَّ الأهميَّة تكمن، ليس في مجرَّد تنظيم المناسبة وانعقاد جمْعها، بل في ثمرتها وما تحمله من توصيات قابلة للتنفيذ والمتابعة والتحقّق، لأنَّ بهذا وحده تُقدَّم بعضُ الإضاءات للجيل الشاب وأهمّها أنوار الأمل والثقة والمصداقيَّة. 
15/4/2018
*************************