المجلس المذهبي | مجلة الضحي
الأحد ١٦ كانون الأول ٢٠١٨ - 7 ربيع الثاني 1440
كلمة سماحة شيخ العقل الشيخ نعيم حسن بمناسبة ندوة حول إطلاق كتاب: "الشيخ محمد أبو شقرا فصول من التاريخ في مسيرة عِلم" للدكتور حسن البعيني 30-1-2018

2018-01-30

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد نبيِّه المصطفى الأمين وعلى كافة الأنبياء والمرسلين
 
السلام عليكم ورحمة المولى وبركاته
سماحة الشيخ محمد أبو شقرا، التقيت معه في السنوات الست الأخيرة من عمره المديد، وقد كان لنا شرفُ الخدمة في القضاء المذهبي الدرزي، وكانت رحلةٌ قصيرة في الزمن، كبيرة في المعنى.
المكانة التي تبوَّأها سماحةُ الشيخ محمد أبو شقرا في تاريخ الموحّدين الدروز خصوصاً، هي مكانة في مقامِ ذاكرةٍ متأثّـلة في الثوابت التراثيّة والوطنيّة والعربيّة والإسلاميّة للمعروفيّين في كلّ مكان. وليس الكتابُ شاهداً على ما يستقرُّ في وجدانِ الناس من شهادةٍ حيَّةٍ، وإنَّما هو بعض صفحاتٍ من سجلٍّ هو أكبرُ من كتاب، فشكراً للجهود التي تظافرت في إنجاز هذا الأثر الطيِّب. 
كُلنا يعلم أن سماحته تولَّى مسؤوليَّة مقام مشيخة العقل في زمنٍ كان لبنان فيه لسنواتٍ قليلةٍ خلتْ حائزاً على استقلاله بعد ما يناهز عقديْن من الانتداب الفرنسي. وكان لخِيار كبار رجال الطائفة آنذاك منحًى وطنيّاً متأصِّلا، كما هو دأبُهم على الدوام، إذ كان للشيخ محمَّد في الشام، مواقف وطنيَّة شجاعة ضدّ الاستعمار الأجنبي كما يشهدُ بذلك يوم معركة "قلعة دمشق" وما كُتِب عن دوره فيها. 
وكان معروفاً بالحيوية والإقدام والأرْيحيَّة والمروءة في أعمال الخير ونصرةِ إخوانه وأبناء وطنه ما أمكنته قدرتُه على ذلك. وتلك سجايا في النفس اتَّسعت أمامها الآفاق بتولّي مهام المشيخة. ومن المعروفِ لدى الجميع سعيه قدُماً في تحقيق إنجازات كبرى ليس أقلّها هذه الدار المعروفيَّة العامرة الزاهرة موضع فخر كلّ الموحّدين واعتزازهم. 
وبموازاة صّروح المباني الرّحيبة التي شُيِّدت برعايتِه لتكون في خدمةِ الموحّدين في شتَّى المجالات، صروح المعاني التي جسَّدها في مواقفه سواء في حقول السياسة الوطنيّة والاسلاميَّة، والسَّعيِ الدؤوب لتحقيقِ رؤيةٍ نهضويَّة تستمدُّ قواعدَها من السَّمتِ المعروفيّ الأصيل بكلّ وجوهه.
وهذا هو حصادُ الخير والنخوة والتطلُّع النهضويّ بين أيدينا. ونحنُ كلُّنا أمام مسؤوليَّات الحفاظ على الثوابتِ التي رسَّخها أسلافُ الموحِّدين جيلا بعد جيل والتي مكَّنت من تعزيز وجودهم، ومن تجسيدهم على الدوام صورة الجماعة التي ترتفعُ بأدائها السياسيّ والمسلكيّ فوق كلّ المصالح الطائفيَّة بالمعنى الضيِّق المسيءِ لروح الميثاق الوطنيّ الذي به كان لبنان، وبه يظلّ وطناً ممكناً قابلاً للحياة الحرّة الكريمة.
نعم، نحنُ كلّنا أمام مسؤوليَّات تعزيز مسيرة النهوض، والتكاتف والتعاضد في إطار العقلانيَّة الهادئة التي من شأنها أن تدفع بمؤسّساتنا نحو تطوير أدائها بشكل يمكِّنها من العبور إلى الانطلاق إلى الآفاق الواعدة.
إنَّ العملَ في حقل خدمة المصالح العليا لمجتمعنا يجبُ أن يكون هاجساً مشترَكاً لأوسع شرائحه وفئاته. والالتزام في هذا الإطارِ هو الزكاةُ المطلوبة، بل المفترَضة، ليس في مجال الدّعم المادي وحسب، بل في مجالات المعرفة والتخطيط والمبادرة والنشاطات المدروسة الهادفة وما إلى ذلك من مجالات الخدمة التي توجبُها قاعدة حفظ المجتمع من كلّ ما يعوِّقُ دوافع ازدهاره وتقدّمه وتحقيقه لحياةٍ جديرة بأن تُعاش.
إنَّنا نعي هذه المسؤوليَّات في إطار واجبنا الوطني، وفي إطار قناعتنا الراسخة بأنَّ نجاحنا في أيِّ مسعى نهضويّ هو نجاح لوطننا لبنان في المنظور العام. لبنان وطن "العيش معاً"، وطن الرّسالة. 
وفي المحصّلة، فإنَّنا إن استعرضنا ثمرة حياة سماحته التي يتظهَّر منها الجوهريّ في الكتاب الذي بين أيدينا، لوجدنا كفَّة الوحدة الوطنيَّة، والوحدة الإسلاميَّة، مرجَّحة على كلّ مصلحةٍ ضيِّقة. ولوجدنا الثوابت فيها هي ثوابت القادةِ الروحيّين حتَّى يومنا هذا، وهي ثوابت وطنيَّة جامعةلا تُشبِه طائفة بعينها وحسب، بل تُشبهُ وطنَنا الذي نريده أجمل ما يكون لنا جميعاً، ونحن على خُطاه الصالحة سائرون.